Warning: file_put_contents(/home/draaicom/public_html/banarat/banners.php) [function.file-put-contents]: failed to open stream: Permission denied in /home/draaicom/public_html/include/functions_misc.php on line 0 ديوان السّمَيّح مشتعل بالبياض - المحتويات - موقع الدكتور عالي القرشي - powered by Infinity
جاء الديوان الاول لعبدالله السميح، الذي صدر عن نادي الطائف الأدبي مؤخراً، بعنوان «ستدثر بالبياض» جاء هذا الديوان متدثراً بالسؤال، حافلاً بالتيه، محدقاً في الفراغ، متيقناً من القمة، وجلاً من المجهول، فمن بين (47) سبعة وأربعين عنواناً، هي عناوين قصائد الديوان - إذا استثنينا «حديقة الغروب» للشاعر القصيبي، التي عارضها الشاعر، واثبتها في الديوان، يأتي (31) واحد وثلاثون عنواناً حاملة لدلالة الفراغ، والتيه، والسؤال، والمجهول، ملقفة على التحديق في أبعاد القلق، والضجر، والتمزق، وذلك في مثل العناوين التالية: الغائبون، توقيعات على اللحن القشيري، بابها الموارب، السراب، حلم الماء، غداة الغياب، الهشيم، انكفاء، الفراغ، احتراق، صديق المتعبين، الحلم، نزق، الباطل، تبدح الفراغ.. وحتى عنوان الديوان يتدثر بهذا الفراغ، فهو يتدثر بالبياض، وإن كان البياض يؤول إلى الصفاء والايجاب، ويجمع ركائز المراد، إلا انه يشي بالفراغ، والغياب، وقد نحت العنوان من فصام حدث بين كلمات إبراهيم العواجي الذي قرأ نص «الفراغ» وعلق عليه بقول جاء فيه:
«أطلق العنان لجوادك الأبيض المتحفز، نحو آفاق حالك».
وبين ما قاله الشاعر عن «كاتب الغيم»، الذي وجهه لحمد القاضي حين قال:
متدثر بالغيم والوطن البهي
٭٭ ٭٭ ٭٭
رجل ناصع
يتحلى البياض بشاشته
ووينبلج الطيب أنى مشى
وإذا كان الشعراء كما أسلفت في مناسبات سابقة ينحون بشعرهم نحو الالتئام والتواصل (ومن هنا كانت حواف الديوان حافلة بالكلمات التي جاءت تعليقاً على نصوص للشاعر، من شعراء أرسل لهم نصوصه أو اطلعوا عليها).. فإن هذا الالتئام لا يلبث ان يشتعل بعنفوان التشظي، فمن هنا يؤول البياض الذي يحمل صفات الايجاب على نحو ما عناه العواجي، وما عناه الشاعر في حمد القاضي.. يؤول إلى التحديق في أفق الفراغ، واللاجدوى، والاحتراق، لأن ذلك منبعه القول الذي تحدق فيه كلمات الشاعر، والبؤر المتبقية، من الأفكار الشاردة في مسارب المجهول، يقول الشاعر:
كنت قد كسرت قيثارتي
وبعثرت الأغاني
وترجّلت عن الوجناء
خلفت الندامى بذات الأين
إذ غادرني صحبي
وأخلاني مكاني
ونأى الربع بأيامي
وفي منحنى الخيبة واريت سناني
وتيقنت بأني
في زمان عاقر غير زماني
والتحفت الحزن في البيداء ولم أحفل
إذا ما جمحت خيل المعاني
والقتاد الفج يحتل الربى
وعبيد الزيغ
يردون السنا
ويباهون الدجى بتأصيل القبان ص12
فهنا نجد أننا أمام ذات تخلت عن الرحلة، الغناء، منادمة الصحب، السنان، والتحفت العقم والجدب.. أمام ذات انقطعت الأسباب بينها وبين التأمل ومعاقرة الحياة، أمام ذات انقطعت عن الالتئام، وأصبحت مرهونة لتشظي لأنها أصبحت تعايش الغربة وتبدل المقامات.
وإذا حاول الشاعر الخروج من الغربة، والعزلة، وراهن على قدرة الذات في التواصل والالتئام، فما عسى الدرب التي سيسلكها؟!
يقول في نص بعنوان «الفراغ»:
ها هو الدرب يمتد وهما كحلم المساكين
والريح تنسج أثوابها من أديم الغبار
والصوى أعين سملتها الحقب
المسالك مفضية للفراغ
تلوب مداها سباع الغضب
وأنا!من أنا؟
بين أمس يذاودني عن غدي
ويد ألجمت همتي ويدي ص32
فلا معالم هنا غير دوائر القهر والاستلاب، حيث يتردد التحديق بين النظر في الفراغ، وبين التأمل فيمن أحال المعالم إلى تيه، فالصوى سملتها الحقب، والمسالك تحميها سباع الغضب، والذات تاهت بين سبعين:
أمس لا يتواصل مع الحاضر
وبين:
قهر وجبروت يسلب الذات ارادتها.. تلك الإرادة التي كانت تحاول في بداية هذا النص، مراودة التواصل والخروج من التشظي، حين قال:
موغل في الدروب التي سامها التيه دهرا
وأخن عليها الردى
تأبّد فيها نحيب المنايا
فمدت غواربها للسراب ص31
لكن هذه المراودة لا ينتصب امامها إلا معالم الفراغ ودوائره، فنجد أننا نوغل مع النص في التأمل، ليفضي بنا ذلك إلى درب عتيق بينه وبين الضياع ارتباط زمني، لقد سام الدروب التيه، وكانت هذه الاستعارة التراثية، التي جددتها الرؤيا، دالة على عمق الارتباط والالتصاق بين الدرب والضياع، حين عمد الشاعر إلى هذه الكلمة المكثفة الدلالة «سامها»، التي تحمل معاني: الارتباط، المجاذبة، الرعي، القصد.. وكانت الصياغة الأسلوبية التي تشير إلى القصد، ووصف الحال بهذه الجملة الاسمية، التي تستعجل الابتداء بالخبر، وتصر على حضوره في أول الاخبار المحذوف مبتدأه، حيث تبدأ بالخبر «موغل» وبالاشتقاق «اسم الفاعل»، امعاناً في القصد إلى اثبات فعل؛ ولكن أين مآل هذا القصد؟ أين مآل الالتئام؟ كان مآله إلى التشظي على الرغم من المعالم التي ظهرت وقصدها.. لأنها معالم التيه والفراغ.. ولم تخرج القصيدة العمودية في هذا الديوان أيضاَ عن هذه الحلقة المحاطة بالمرارة ونزف الأسئلة يقول:
هل غيمة تتهاوى في مرابعنا
أم سوف يبزغ في آفاقنا قمر
هل نخلة هزمتها الريح فانكفأت
على المرارة يوما سوف تنتصر
صديقتي هل قرأت نزف أسئلتي
وكيف أن الرؤى تبدو فتنكسر
نعم لقد كانت رحلته ممعنة في البحث عن درب يبدو فينكسر..