Warning: file_put_contents(/home/draaicom/public_html/banarat/banners.php) [function.file-put-contents]: failed to open stream: Permission denied in /home/draaicom/public_html/include/functions_misc.php on line 0 السفر والسرد (1) - المحتويات - موقع الدكتور عالي القرشي - powered by Infinity
* السرد والسفر قرينان، فالسفر قوة سردية كامنة يظهرها السرد، ويفتح عوالمها، ويستنهض حركتها، ويستحثها على إشعال الذاكرة، ونقل المتلقي إلى أجوائها وأحداثها.
يظهر فعل السفر في السرد على مستويات متعددة، فالكلام السردي سفر حين يحيل المشاهد والمعاين إلى لغة، فيرحل المشهود من عالمه إلى عالم اللغة، وهذا ما نفعله حين نحكي للآخرين عن مشاهداتنا، ويتجلى هذا فيما كان ظاهراً في نقل أخبار الديار والأحوال على ألسنة المسافرين والقادمين.
والكتابة سفر حين ينتقل ما في الذاكرة وقوة التخيل إلى ألفاظ متحركة للقراءة على صفحة الكتابة.
والكتابة السردية سفر حين تهبط اللغة من إلفها في الخطابة والشعر إلى عوالم السرد، فتقيم حركة تتابعية في حركة اللغة أمام القارئ، وتنقل المشاهدات إلى عالم جديد تحركه اللغة، والروابط التي يقيمها السارد بين مدلولاتها، فتتحرك الأمكنة، وتتداخل الأزمنة، تنشأ الترابطات في هذا العالم الكتابي الحادث من فعل السرد، بفعل هذا السفر الذي فتح تكوينا جديداً وهيئة جديدة لهذه العوالم. هنا يكاد يجتمع السفر والسرد ويتطابقان على أن يكونا حركة تحولية، أما السارد فهو مسافر باستمرار ينتقل من زمن إلى آخر، ويقيم الروابط بين حركة الأزمنة في الفعل السردي، فهو ينتقل من عالمه الذي تولد لديه إلى القارئ، أي أنه يسافر إليه.
وإذا كان الفعل السردي يستثمر المكان، فإن الفضاء بين الأمكنة الذي تجلوه حركة السرد هو مجال حركته، وتقلبات أحداثه، وصناعة تحولات شخصياته، فهو وقود السرد وطاقته، وهو السفر بوقائعه الفعلية والحركية، وبوقائعه التي يخلقها السرد.
وسأعمد في هذه التأملات التي أقدمها بين عقولكم وأعينكم، وأسافر بها إليكم إلى استثمار فعل السفر باعتباره فضاء سرديا يحدثه الكاتب بجعل الفعل السردي يتقلب بين حركة الزمان وحركة المكان، لنقف على شيء من الجماليات التي أحدثها هذا الاستثمار للفعل السردي.
لقد استثمر كتاب السرد السفر باعتباره سفراً من النفي، وعودة إلى المبتدأ والغاية، وباعتباره كشفا عن الحجاب، ودخولا إلى مرأى الكتابة، ولابد لهذا الاستثمار من طاقة تخيله، ورؤية واعية، تسلك رقاب طريق السفر في جادة الفن، وذلك لأن السرد ما لم يرتق عن وقائع السفر سرد واسترجاع فإن فضاءه يبقى متعلقاً في الوصلة بين المكانين.. وهذا ما دعاه الساردون المتميزون فارتقوا بالسفر وأحدثوه ليستحضروا تجليات الكشف وهتك الحجب.
استثمر عبدالعزيز مشري في روايته "الغيوم ومنابت الشجر" الفضاء الجديد الذي تحدثه علاقات السفر بين المقيم والأديب لتحريك علاقات السرد، بتحريك العلاقات بين شخصيات وأحداث عالمه السردي المعتمدة على علائق في القرية، فالقرية ذات الفضاء المحدود، تضعها علاقات السفر على عتبات جديدة من التغير والتحولات، يستثمر السرد هذا القادم إليها من البوابات والنوافذ التي تداهمها، فيجعل الكتابة تستحضر ذلك القادم الذي أحاط بالقرية عبر سفر الجسد، والأشواق أو سفر التأمل والذاكرة، بمجيء "الراديو" وما يبث عبر محطاته المحدودة آنذاك، أو القادمين إلى المدرسة من بيئات أخرى، أو ما تحمله ثقافة المدرسة، فيكشف عن أثر هذا وعن التحديات التي تواجه الأهل والرجال، لنقرأ هذا المقطع الذي يقوله فيه: "وردت السيارات إلى القرية، وجاءت بالحبوب وجاءت بالفواكة النادرة، وجاءت بالملابس الجاهزة، وجاءت بما لم يعهد الناس من قبل.. فكانت النفس تشتهي الجديد، وتتوق لكل حديث، فالأشياء المبهرة والمريحة.. تحتاج للريالات، والريالات لا تأتي إلا من منافذ غير مهيأة أسهل ما فيها بيع الثور والبقرة والغنم، ثم ترك الأرض وإهمال العناية بها، وشغف ذوي الزنود الشابة بالأسفار.. أما الشيوخ فلم يهن عليهم هذا، وإن مات البعض فهو يموت بحسرات كبيرة"ص
55.هنا نجد السفر يشعل علاقات القرية، ويغيرها في أفق جديد، فضاء السفر لم يبقه السارد مشتعلاً في ذاكرة المسافر، ومنتقلاً إلى القرية عبر ما ينقله، بل أصبح ذلك الفضاء يشتعل في فضاء القرية، وفي تغير أحوالها، وتغير المفاهيم، والتباين حول الجديد، ليجعل السفر قادماً ليس فقط بالفكر والوعي، بل الزاد واللباس، أي كل ما يحيط بالحياة، ويجعل القرية تشتعل بهذا القادم، تبدل أفكارها ومفاهيمها، تبدل طريقة معاشها، تبيع القديم وتستبدله جديداً تفتح له البوابات والقلوب والأشواق، فلم يعد مصدر الحياة محدوداً في مسمى حول البيت وفي وادي القرية من الركبان وحوافها، بل إن هذه أصبح التصرف ببيعها واضحاً، والتجميد لتتوحش قادماً إليها. بما جاء به فضاء السفر من السيارات والتطلعات التي أحدثت تغيراً في العلاقة مع الأرض والفلاحة، فأصبح الشباب مشغوفين بالأسفار.
وحين يقول المشري:
"دخل الأب، وعلى باب الدار ألقى السلام، ووزع القبلات والإبتسامات على الأولاد، وخص الولد الكبير بالسؤال الدقيق عن الدراسة والأحوال، وقال "سنتين.." سنتين فقط، وتخرج من المدرسة، ثم أضاف في محبة ظاهرة: في الغد تكبر، وتصبح رجلاً ، وتسافر، تشتغل في الوظيفة، نفرح بمجيئك، قالها بلهجة، وكانت حنونة استطاعت أن تصل الابن بسهولة وعمق.."ص
55.نجد السفر هنا قادماً مع الأشواق والقبلات، قدوم المسافر أشعل الشوق إلى خليفته في السفر، في أبنه حين خص الدراسة والسؤال عنها باهتمام، حيث إنها البوابة للسفر، البوابة للوظيفة، البوابة للرزق الجديد، البعيد عن حرث الأرض، ومصادر العيش في القرية... هكذا يجعل السرد هذه الأسرة متعلقة بالسفر، يتعلق به فرحها، ويتعلق به أمر معيشتها من وظيفة هذا الشاب، بعد أن كان حدثنا عن بيع البقر والغنم.. ويظل يكرر ذلك فيتحدث عن مورد السفر الذي أصبح بديلاً عن الزراعة، يقول "وللحراثة ثيران البعض ممن يؤجرها، وحقيقة الوضع لا تعتمد على الزراعة إلا قليلاً، أما المورد الجديد فأصبح السفر، والسفر في الحج لخدمة الحجاج".
هكذا نجد المشري يتكئ على السفر لا يخبر عن طارئ جديد على حياة القرية، أو ليحدثنا عن عادة ألفوها، ولكن ليجعل السرد مشعلاً لحياة نراها في فضاء الكتابة التي سافرت إليها لغة السارد، ووصلت إليها بهذا الفعل السارد والمسافر.