في رواية علي الدميني "الغيمة الرصاصية" لم يجعل السارد وادي "ابن عيدان" الذي شكله السرد مجرد فضاء آخر ينقل لنا عوالمه، وحكاية ساكنيه وعلاقاتهم؛ بل جعل الفضاء ملتحماً مع حركة السرد، وفعل الكتابة، فكل شخصية لها علاقة مع النص، تستسلم، تتضجر، تعترض، تنتقض على النص، مما يجعل القراءة للنص في حال حركة وانتقال بين الفضاءات.
يدخل السارد الوادي، فيجد أن سلطة نصه تتعرض للمساءلة من سلطة الوادي، فيقيم الحوار بين السلطتين؛ حيث يواجه بهذا السؤال:
"لماذا كتبت نص عزة، ومن ساعدك، وأوحى لك بذلك؟" ص 37، فتأتي الإجابة التي منها قوله:
"ويرى كل شيء في الكتابة؛ فيبيح لنفسه كشف اللبس عن المعمى، ورفع الستر عن المغيّب، وهو لا يرعوي أن يتغزل بالجميلة في حجر سيدها، ولا يخجل أن يذم القبيح في الشرفات المحروسة" ص
37.هنا تقوم الكتابة وجوداً يمتد بالذات، تحرك سدر العالم وتدني المقصي، وتعلن عن تصورها، ورؤيتها للقناعات السائدة: بحيث لا تستسلم للملأ، ولا تذعن للمواصفات المحددة.
ثم تكشف الإجابة عما يشير إلى تبرير لهذا العالم الذي شكلته هذه الرواية، في البحث عن الحرية، وممارسة الحق الإنساني فيها، حين يقول عن فعل الكاتب:
"يستدني الظنون والتوهمات وما يظنه الآخرون خيالات ملتاث فيقيمها شواهد على حرية الكتابة وحرية الإنسان، وشغفه الأبدي بحياة تمكنه من ممارسة إنسانيته وجنونه" ص
37.فالإجابة تجسد ثمرة اللجوء إلى هذه العوالم التي تمارس الكتابة خلالها سلطة يجعلها النص تتقوض، حين لا تقيم للحرية قدرها، ولا ترسم للشخصيات مسارها المألوف أو حين تتعالى على الوقائع، ولذلك تتوالد التساؤلات عن حركة الكتابة في هذا النص، وصناعته لعوالم هذا الوادي.
يقول السرد:
"سألني أبو عاصم: لماذا جعلتنا نقتتل في حب عزة، وكان بإمكانها أن تتزوجنا واحداً بعد الآخر؟.
الزواج بها يطفئ جمرة السؤال والبحث لذا كان ذلك اختبارا لقدراتكم على مقاربة فتنة الحقيقة وجحيمها الولود.
قال أبو معصوم ساخراً: حمّلت حمدان وجابر واخوة عزة أعباء فوق طاقتهم، واختلقت إشكالات لا يعرفها الوادي.... حتى اختلطت علينا الأمور، ولكن أترى كيف تحرر كل منا من نصك الذي توهمت؟" ص
37.وفي حركة الرواية، وحركة عوالمها، تشعر بقيمة السرد من حركة سافرة ومتحولة باستمرار، تخاتل الزمن، وعدم استقرار الهيئات، ومعاناة الإنسان في القبض على المسار الصحيح، فتلتحم الكتابة مع حركة تخيلاتها، وحركة وقائع شخصياتها، وتحولات وقائع عالمها، يقول السرد في هذه الرواية المسافرة باستمرار:
"ترى كيف يخلص المرء لدوره الأصلي، وبأي جسر يعلق خطواته ليصل إلى الطرف الآخر منه الذي سيكون متحركاً هو الآخر، فتصبح المسافة كالزمن المخاتل الذي لا نكاد نتوهم الإمساك به حتى يلقي بنا في غبش الاحتمالات وعنف المفاجآت" ص
41.نعم! يجعل السفر مسافات الأمكنة متحركة، والكتابة في حالة حركة كما هو حال الزمن الذي يتحرك في عالم السرد.
ويصبح إلغاء الفواصل بين عوالم الرواية مجالاً لأن تنشأ بين السارد وشخصيات عمله علائق، من الممكن أن تؤدي إلى الارتباك والخجل، ذلك لأن الفضاء الكتابي ينشئ علاقات حب، وتواصل، وأشواق، للسارد مع الشخصيات، مثل عزة، ونورة، فتجد عزة على حد وصفه تتسلل إلى مضجعه، وتجد نورة حين تحضر في النص، تتراءى له مريم بحضور معابث شرس، مما يجعل السرد مظهراً لحيوات الشخصيات، وكأنها في واقع متكون ومشهود نلمس ضجيجه وصراعه، وتنافسه.
وقد عبّر السارد عن هذا الحضور الذي يستعيد الذاكرة، ويربك كتابة النص، ويثير تساؤل من تغيب عنه هذه الذاكرة، يقول السارد:
"كثيراً ما يحضر شخص ما في الذاكرة محملاً بأجزاء ليست من تكوينه، وحين نتساءل عن حدود الإرادة التي تتدخل لصياغة هذا التشكيل نجد أن الأمر يحدث رغماً عنها أو بتواطؤ مخفي يتجاوزها" ص
113.وما بين القسر والتواطئ يعرض الكاتب حضور عزة على السرير الذي ترقد فيه الزوجة..، بل إن الأمر يتمادى إلى أن يجعل حضور إحدى نساء السرد مضايقاً ومربكاً لأخرى تماهي معها السارد وأصبحت في عالمه، كما هو حال مريم مع نورة، حيث إن نورة كما يقول "مصدر قلق عاطفي وذهني ما فتئ يتضخم ماحيا ما عداه أو مزيحاً ما سواه إلى خلفية الصورة" ص
113.وما ذلك إلا ليتطور هذا الحب إلى "علاقة مكتوبة تخرج من حدود الرغبات اللاذعة إلى وهج البقاء والخلود في نص عزة أو حواشيه" ص