* وفي متابعتنا للسفر والسرد، يستوقفنا كتاب، اتخذ السرد طريقه، في النفاذ إلى القارئ، وجاء سرده مستثمراً لتنقلات وسفريات وترحل على مستويات مختلفة، ذلكم الكتاب هو كتاب "البدوي الأخير - القبائل البدوية في الصحراء العربية" لمارسيل كوربرشوك والكتاب يحكي مشاهدات الكاتب، ويسرد مغامراته في صحاري الجزيرة العربية بحثا عن اشعار وشعراء، ومسميات حاول ان يصل اليها، وأن يتحاور مع من يوصله الى شيء من ذلك، ففتح سفر سرده على السفر، وجعل السفر الذي كان يصل به مفردات يحاول ان يعقد بينها صلات، جعل من ذلك السفر مفازات يصل ما بينها بتأملاته التي تستحضر الغرب في الشرق، والقديم في الحديث.
يجيء العنوان الأول لمساردة "على كثيب" يقدم فيه أنموذجاً لمغامراته، وطريقة تدوينه لتأملاته، حيث تنتقل من مشهد جلسته وموقع تأمله والتفاصيل الدقيقة فيه إلى ما حول ذلك المجلس من الجهات المتعددة، ثم نظرة الى السماء ونجومها، ثم اظهار لردة فعل أصدقائه العرب ازاء ما يتخذه من مسميات او يكونه من آراء ثم عودة الى تأملاته العميقة في حال القوم وسفر في التاريخ وقراءة له في أفق الحاضر، أو قراءة الحاضر في ذهنية الماضي.. يقول حسب الترجمة التي قام بها عبدالاله النعيمي.. "جلست على قمة كثيب في أعماق الجزيرة العربية، دائرة ملتوية تكونت حول قاعدة مصباح "كالور" الغازي على طاولة السفر، حولها حشرات ارتطمت متهافتة بزجاجة المصباح أو أحرقت أجنحتها"، فلعلك تلحظ محاولة تصوير مشهد الجلسة بالكلمة التي تحاول أن تقدم حركية مكونات هذا المشهد.
ثم ينتقل الى تأمله في البعيد يسمع صوت اللوريات التي تتسلق بمشقة مرتفعات الطريق، وما يحسه من نسمة صحراوية، يدقق فيها فيقول "نسمة صحراوية حزينة، رقيقة، تهمس وتخشخش لو ارهفت سمعك لها..." لينتقل الى ضوء يراه بعيدا، وعواء كلب يسمعه، والى تأملاته في النجوم، والاشارة الى مسمى سيارته "حمرة" اراد أن يماثل بها العرب حين يسمون نوقهم، ليقول في عبارة حسب الترجمة "متسببا في ازعاج اصدقائي العرب، لأن الألقاب اللونية لا تستخدم بالمرة اسماء تطلق على حيوانات" ص 11، وقطعا لم تؤد هذه الترجمة مراده، فازعاجه يأتي من اطلاق اللقب اللوني الذي يمنحه العرب لابلهم وخيلهم على السيارة، والترجمة لم تستطع ان توضح ذلك - والذي لم توفق فيه الترجمة كثيرا في هذا الكتاب.
وقد أطلق المؤلف تبعا لتأملاته قدرا من الأحكام العامة على أصدقائه العرب، فهو يتحدث عن الأصوات التي حفظها مسجلة من المجالس ورواة الأشعار فيقول "انها ليست اصواتا شجية أو حساسة أو مفكرة، هي كل شيء لا تستطيع سماعه في قطعة موسيقية قصيرة من تأليف شوبان إنها أصوات مبحوحة، خشنة، جافة.." ص
12.ولا شك ان رواة الشعر يختلفون في أصواتهم، وفي طريقة روايتهم جماليات لا يدركها الا من عايش اللغة، وخبر نغماتها، فهناك الصوت الذي يتناغم مع الشعر، وتستمع اليه، فتجد القصيدة تتجدد بتجدد إلقائها، وهناك من لا يعنيه الا التدفق بمحفوظه وسرده كيفما اتفق.
وبعض البادية خارج رواية الشعر يتخذون من هذا الشعر غناء يؤنس وحشتهم، ترتفع به عقائرهم فتتناغم معه جبالهم وشعابهم، وإبلهم، وتربع اليه قطعانهم، وتخرج به مقنوصاتهم، وتزفه الريح وجودا انسانيا في فضاء مخيف، او ظلام دامس.
وفي الكتاب قدر من السخرية التي أجاد المؤلف حبكتها، وأقام أطنابها في عمق تاريخ العرب وصحرائهم، ومن ذلك هذا الربط بين الأسنان الخربة وأثافي الأطلال، يقول:
"أصدقائي في الصحراء يمضون في حيواتهم، وعليهم ان يتدبروا احوالهم من دون عناية طبية بأسنانهم أو أجسامهم، وما يظهر احيانا من أضراس خربة، صفراء صمدت بوجه عوادي الزمن في أفواههم كما الأثافي التي عركتها الطبيعية واستندت اليها قدور الطبخ في خيمة الحبيب، قد مر زمن طويل منذ احالتها الرمال الى اطلال يحتفي بها الشاعر تقليدياً في مطلع قصيدته الحزين" ص
12.وعلى الرغم من هذه الأحكام التي يقذف بها فانه احيانا يظهر صعوبة تأمل هذا العالم، واعادة بنائه (ص 13).
ويتضح ان هذا المسافر السردي لم يقصر سفره على الانتقال بين كثبان الجزيرة، وعبر صحرائها، بل سافر عبر التاريخ، عبر المدونات قبله، عبر المشافهات، عبر تأملاته في كل ذلك، الى تكوين يجعلنا نشهد كتابه وهو يضج بحيوات سردية، وأمان تأملية ننتقل بها وعبرها بين المشاهد واللحظات، وكان سفر هذا السارد مشهدا لنا - نحن العرب او السعوديين - نرى فيه سفر الآخر عبرنا الينا، نرى فيه تأملاته، كشفه لكثير من المسكوت عنه فيما بيننا، صدى تصرفاتنا، وتصوراتنا في تكوين قناعاته عنا.
لم يكتف الباحث الهولندي بتصوراته عنا، وما نحكيه له، بل حاول أن يعضد ذلك بتصور الآخر المقيم عنا عن كثير من تصوراتنا، فهو يلقى عاملا باكستانيا يدعى "فقيه الله"، ويستثمر ما حكاه له عن خالد بن شليويح والمزرعة، وان الزراعة غير مجدية في هذه التربة المالحة، واصرار خالد على الاستمرار في الزراعة، ليبين من خلال ذلك صرف المال للظهور بمظهر السيادة والوجاهة.
حين يشير إلى أن الأمر كان يتطلب تملك مزرعة ذات سمعة، بصرف النظر عن التضحيات المالية ص (54).