*الرؤية ذات الأبعاد المختلفة كانت الأداة الأقوى في سرد مارسيل كوربرشوك؛ فكان وقوفه بالصحراء، أوقطعه مفازاتها، أو محادثته لأهلها تجوالاً في كتاب عميق، يصنع أطرافه وصفحاته استدعاء موظف لمعلومات ومعالم في الذاكرة، وفي الوعي الثقافي، تأتي لتؤطر المدى المرئي والمشاهد من عالم الصحراء.
وقف مارسيل في الصحراء، واستدعى ذاكرته عن "سنوك"، وعن مقاعد الدراسة، وأبيات أمرئ القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
بسقط اللوى بين الدخول فحومل
فتوضح فالمقراة، لم يعف رسمها
لما نسجتها من جنوب وشمأل
فكان حديثه المتهدج بعاطفة تومئ إلى حب التعمق، وإقامة الأسئلة، والتحام الذهن بهذه الذاكرة المكانية عن طريق معايشة الجسد والروح للوجود العياني لهذه الأماكن.
يقول عن بيت امرئ القيس الأول:
"هذا المقطع، الذي كان لقائي الأول بأول بيت شعري من كل الأبيات الشعرية العربية المكونة من شطر وعجز، أثار فيّ دهشة لم افق منها خلال أيام دراستي. الدخول وحومل: أي نوع من الأماكن كانت هذه؟ كان الشرح مختصراً في الجغرافيا، مثلما كان مستفيضاً في إعراب البيت" ص
101.لم يسعه الشرح المطول في الإعراب، لأنه مشغوف بعلم المكان، بتحديده، ولذلك راح يستدعي حب الأمكنة ذات الوجود الإنساني، التي حملت تجارب ارتبطت بالذاكرة، ولذلك أخذ يستذكر "الجسر الذي دفع فولكنر بطله كوينتن كومبسون إلى القفز منه في نهر تشارلز، جسر نسيو على نهر فال في نيميغين، الكاتدرائية الكائنة في روين حيث كان موعد إيما بوفاري مع حبيبها ليون،.." ص
101.والذين يحبون الحج إلى مثل هذه الأماكن يتوقعون أن الحج الأدبي "يمنح صاحبه لحظة سحرية يردم فيها من خلال قوة تركيزه الفجوة بين الواقع والخيال"ص
102.ويا لها من لحظة أجاد مارسيل تقمصها!!
واستثمر فيها حج الجسد مع حج الذاكرة، فإذا به يلتصق مع امرئ القيس، ويحج معه، مثل ما حج الأول إلى الدخول، وحومل، وإذا بالشعر ليس سفراً في الصحراء المشاهدة، وانما أصبح سفراً في عالمها الذي كونه التاريخ، والأدب، ولا زال يتشكل في أفق الذاكرة.
يرى مارسيل أن الحج "ليس أكثر من حجة لتمديد الحلم بتجربة عزيزة أثيرة في القراءة"، ومن ثم يسجل قراءة امرئ القيس، فيقول: "وبمعنى ما كان امرؤ القيس يفعل الشئ ذاته على الأطلال التي ترجل عندها من مطيته (والأصوب عن مطيته)، فهو أيضاً استسلم للحالة الرمادية بين الحياة اليومية العادية واللغز... وهذا هو المكان الذي كان، هذا هو الرمل الذي لامسته قدماها. ولكن حتى آثار الأقدام محيت كأنها لم توجد قط برغم أنها بدت في حينه باقية إلى الأبد" ص
102.رحل مارسيل إلى الدخول، وحومل بهدي من كتاب: صحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار لابن بليهد، وطابق ذلك بالرحيل إليه برفقة معززة من شرطة الصحراء، حيث انهما "يقعان في عمق الصحراء بين بطاح الحجاز البركانية في الغرب وجبال طويق في الشرق..." ص102، وقف مع رفقته على حافة بئر، ذاق عذوبة مائها، استدعى معلومة: الدخول جبل تحته ماء عذب من كتاب ابن بليهد.
ويفهم من حديث السارد مع مالك المنطقة مقعد بن نوير، أن اسم امرئ القيس، وذاكرة الأماكن لها وجود مختلف هنا، فهي متجسدة بهذه المواضع، التي حملت الأسماء واستدعت ما يحيط بها، فقاسم قائد الفريق يقول: "إن الدوكرة (لقب اطلقه مقعد على مارسيل) جاء بسبب امرئ القيس. وهو يريد أن يرى أيضاً كثبان الرمل وحومل" فيجيبه مقعد "آه بالقيس" ص104، مما يشي أن الاسم أصبح متداولاً وفق التسمية البدوية.
وفي السرد يواجهون "ربوة"، "صف من التلال الواطئة التي تنحدر وتتداخل مع بعضها بعضاً في ربية متآكلة، تلتف بلا نهاية.." ص104، فيطلق عليها قاسم المقولة العامة لتسمية مثل هذا المكان بالوصف المعاين "ربية" فيأتي احتجاج مقعد: سقط اللوى - تلة بالقيس، ثم يقول مسترسلاً ومجسداً تاريخ المكان، وحضوره، وتغيرات معايشته: "هذا ما كنا نسمي هذه البئر، سقط اللوى. أردنا أن نحفرها ولكن جاءت المقطة من عتيبة، عشيرة ابن حميد، وقالت، "هذه البئر بئرنا" ص104، ويضيف عن الحجارة المستقرة على حافة البئر: "لا أحد يعرف عمرها، أحياناً تغطيها الريح بالرمال وأحياناً تنظفها الريح مرة أخرى من اتجاه آخر" ص104،
105.وهنا يتماهى مارسيل مع لحظة امرئ القيس، تتماهى لحظة الحاضر مع لحظة الماضي، مع لحطة حاضر امرئ القيس وماضيه، هنا يتفوق الوجود الإنساني بمعايشته للذاكرة، ليطوي صفحات الزمن، ويعانق رحيل المكان عبر التاريخ وتغيراته.. يقول مارسيل:
"تذكرت البيت الثاني من قصيدة امرئ القيس"..
ثم يضيف متأملاً تماهيه مع لحظات حاضره، وماضيه، ولحظات امرئ القيس:
"كم بدت نائية الأروقة المعتمة لدارسنوك على قناة رابنبورغ، وكم بدت ضئيلة السنوات الألف وخمسمائة التي تفصلني عن أقدم شاعر في الصحراء العربية! حيث كنت أقف أوقف بعيره للبكاء على الأطلال، وهناك في الرمل تحت الرابية غازل بدوية "نارية لعوبا" ص105، ليمضي بعذ ذلك واقفاً على رحلة المكان عبر التاريخ قائلاً "وفي القرون التي مرت منذ ذلك الحين تناثرت رمال وقد خرجت صخور واختصم بدو" ص105، مجسداً الفعل الإنساني في طمر المعالم، وحجد الأمكنة، أو تغيير مسمياتها، فيجسد الظهور والخفاء، وكأن ذلك استجابة لتلك الكلمة التي أطلقها أمرؤ القيس، حين صرخ بالبقاء، ومقاومة عاديات الفناء، حتى وإن جاءت الريح تدفه فهي ما تلبث أن تجلو.
نشص : ـ نَشَصَ السحابُ: ارْتَفَعَ،
ـ وـ المرأةُ: نَشَزَتْ، وأبْغَضَتْ زَوْجَها،
ـ وـ فلاناً: طَعَنَهُ،
ـ وـ النَّفْسُ: جاشَتْ،
ـ وـ سِنُّهُ: طالَتْ،
ـ وـ الشيءَ: اسْتَخْرَجَهُ. وككتابٍ وسَحابٍ: السَّحابُ المُرْتَفِعُ، أو المُرْتَفِعُ بعضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ
ـ ج: نُشُصٌ.
ـ والمِنْشَاصُ: المرأةُ تَمْنَعُ زَوْجها في فِراشِها.
ـ والنَّشِيصُ: الرُّمْحُ المُنْتَصِبُ،
ـ كالنَّشوصِ، والذي يُجْعَلُ الخَميرُ فيه من العَجينِ، ثم يُخْبَزُ قَبْلَ أن يَتَخَمَّرَ حَسَناً.
ـ وفَرَسٌ نَشَاصِيٌّ: مُشْرِفُ الأَقْطَارِ.
ـ وانْتَشَصَ الشَّجَرَةَ: اقْتَلَعَها.
ـ ورأيتُ نَشاصَ جوارٍ: إذا كُن أتْراباً.
ـ ونَشاصَ خَيْلٍ وإبِلٍ: إذا كانَتْ مُسْتَوِيَة.