Warning: file_put_contents(/home/draaicom/public_html/banarat/banners.php) [function.file-put-contents]: failed to open stream: Permission denied in /home/draaicom/public_html/include/functions_misc.php on line 0 تجليات الرؤية في آفاق السفر قراءة في رواية (وجهة البوصلة) لنورة الغامدي (1) - المحتويات - موقع الدكتور عالي القرشي - powered by Infinity
الكتابة والحكاية تجليات الرؤية في آفاق السفر قراءة في رواية (وجهة البوصلة) لنورة الغامدي (1)
وإذا كان الرد السفري في غالبه يعتمد على الرجل، خاصة في مجتمع ذكوري يقيد سفر المرأة، فإن المرأة قد أحالت ذلك السفر إلى طاقاتها، تهيئه وتحدثه، وتسرد من خلاله ما قعدت به إمكاناتها عن بلوغه، فاقتحمت المرأة عالم السفر واستبطنت أحوالها، وأحوال عالمها، وتقاطعات ما يحيط بها فأنتجت الرد الذي لا يتشكل عالمه إلا في الفضاء الذي أحدثه السفر.
في امتداد المقاربة بين عالم الرد وعالم السفر تأتي رواية "وجهة البوصلة" لنورة الغامدي مستبطنة لعلائق التحولات بين عالم الأمس واليوم، التاريخ البعيد والتاريخ القريب، التاريخ المهمش والمقصي، والتاريخ العلني والظاهر، حرب بغداد وحرب بيت "السبتي" المرأة والمدينة، العلاقة بين الطارئ من العادات وجاريها، بين أهل القرية والداخلين عليهم، بين نسب أهل البيت ومن دخله من المخطوفين، ويأتي كل ذلك في حديث استرجاعي من زمن حاضر إلى زمن ماض، ومن مسار واقعي إلى أفق متخيل، ومن ملاحظة جريان أحداث إلى قراءة وتأويلات لها.
يظل السفر السردي في هذه الرواية اللحمة التي تمسك بزمام العلاقات المتباينة والمتداخلة التي لا تسير على أفق واحد، بل تتراكب لتقرأ هذه العلاقة في ضوء الأخرى، وللمداخلة مع هذه الآفاق سأقارب ذلك من خلال المحاور التالية:
@ جدل الانعتاق والامتداد في العلاقات المتحكمة.
@ فضاء القراءة والتأويل.
@ الترابطات السردية.
@@@
جدل الانعتاق والامتداد في العلاقات المتحكمة.
يبدو لي ان اي انتاج ثقافي لا يخرج قارئه بتشكل جديد لرؤى سابقة او بتوتر معها، او على الأقل بعلاقة مضطربة مع ما الف وعايش وجرب يبقى نتاجاً في دائرة التمرين، والتراكم، او مضاعفة البوح.. وهذا العمل الذي بين ايدينا ليس من ذلك القبيل، وإنما هو انتاج مجاهر، ومحاور، ومهيء لعلاقة مكان اخرى، يخرج قارئه بأسئلة لازال البحث عن اجوبتها مستمرا، ومهيأ لأن يخلق في انتاجات جديدة عن علاقات وجودية لا تنفصل عن الذات الانسانية في الحب، في المعرفة، في قراءة الوجود..
ومع ان السرد يضج بأسئلة كبرى، وكلمات اعتراضية قاطعة احيانا من مثل: الحياة كذبة ص21، انا لست مثل الناس فما يحركني شيء غير عادي، وإذا بدأ يحركني فليس هناك قوة توقفني ص40، قلة الأدب حياة كاملة ص98، الرجل عادة يسقط المرأة ص124، الا ابد هذا الصراخ لا يغلق السرد بل يفتحه تاركاً لمساحات من العلاقات التي تقوم على الانعتاق تتشكل ازاء علاقات اخرى قدرها الارتهان للمألوف والمتحكم فيها.. فعلاقة الحب بين (علاقة) و(الساردة)، والحوار حولها امر يلحظ فيه الا نعتاق من انماط مألوفة في هذه العلاقة، تسرد في الرواية بشكل علاقات متكونة يلعبها، ثامر ونساء القرية، وكذلك حمود، وهنا لا تكون الرواية مجرد عرض لعلاقات، وإنما تقوم علاقات مركبة، تقرأ فيها العلاقات المختلفة في ضوء العلاقة المهيمنة التي تجسد الحوار والتأويلات التي تمسك بخيط الرواية من اولها الى نهايتها.
ومن اللافت ان هذه العلاقة تتنامى خيوطها في السرد بينهما، وهما غير متشكلين في شخصية محددة كسائر شخوص السرد احدهما محمل الاسم "علامة"، وهو الاسم الذي اختارته له الساردة في الصفحة الثانية والخمسين بعد اسم "حنجرة". وصاحبة الطرف الثاني في العلاقة "الساردة" لا تقبض لملامح مستقلة لها، فملامحها من "فضة"، الشخصية الظاهرة في السرد، تتفحص أفعالها، وتواجه الأزمات والمواقف بالحوار معها، وتتحدث عن التمازج بينها - "أفهم كلماتك يا "فضة" جيداً فينتابني احساس مخيف، وأنا أقف عند المرآة... أرى وجهك وجهي، والشامة التي في عنقك، والحريق الذي تحت الكتف الأيمن، وأنك أذن تسمع صوت هاتفي المسائي حين يحادثني "علامة" مختلساً متعة صغيرة في ظل حماية وهمية من تخيل جامح..".
- "فضة" الوهم الذي يطوق أيامي.. أسألك، هل أنت.. أنا؟
وقفت الدكتورة لمياء باعشن عند عدم وضوح اسم الساردة مبررة ذلك بأنه زيادة في تعزيز العرف الثقافي الذي يستحي من ذكر المرأة، والتصريح به.
"قراءة في رواية "وجهة البوصلة، ضمن كتاب: خطاب السرد/الرواية النسائية السعودية، حسن النعمي، نادي جدة 1427ه".
ولكن الرواية تحاور في ما يحارب هذا النمط من الانساق الثقافية التي تحاصر المرأة في الصمت، والقيد، والتملك، وتنتقد عدم التصريح باسم المرأة، فجاءت خروجاً على هذا في مسارات حوارية، فلم يكن من المناسب الاستسلام لهذا القيد، وهي تكتب، وتنطلق، وتحتج..
ولو قبلنا ذلك جدلاً في المرأة، فكيف يكون الأمر مع "علامة" الشخصية الذكورية.
فيبدو لي أن اختيار اسم "علامة" جاء من الكتابة إشارة إلى مغزى ثقافي يتخذ من العلامة مظهراً يستنطق به الدلالات، ويستظهر المسارات، ويستجلي الانساق، ويقيم قراءة للوقائع والقرائن، والتحولات الاجتماعية والثقافية تحمل التعدد، والرؤية الاستيطانية التأويلية..
وحين كانت هذه الشخصية طرفاً في حوار يقيم علاقة حب عميقة مغايرة للمألوف في النمط الرومانسي، وفي النمط اللاهي العابث يقيم هذه العلاقة، ناسب أن تحمل هذه الشخصية من الساردة هذا الاسم في دلالته الثقافية، وفي سياق مرحلته التي كشفت بالعلامة وجوداً جديداً للنص.
فكان "علامة" لأنه القائد في هذه المتاهة.
و"علامة" لأنه يقبل بالآخر بكامل اختلافه.
تقول الساردة عن "علامة":
- فهذا الاسم تفكيك لمعاني الصدفة التي باغتتني عندما سلمت من صلاتي ذات اليمين، وذات الشمال ص
52.- ذاك الذي اكبته يا "فضة" "علامة" يراني كما أنا.. مقبولة كما أنا في عالمه الجديد.. يفهمني الفهم الكامل بكل جنوني ومتناقضاتي، ولديه شعور عميق بأنني أشعر به، وبما يريده بالضبط حتى وإن كنت ضد تنفيذه، ص
53.وجاءت شخصية الساردة دون اسم لأنها:
@ المنطوية في أسر شخصيتين هما "فضة" و"علامة".
@ لأن الأفق الذي تحمله هذه العلاقة بينها وبين "علامة".
هو أفق قرائي لعلاقات متباينة، وهو رؤية شخصيات لها امتدادها الذي يجاوز حضورها المحدد، فالساردة من أصول "فضة" و"فضة" تتناسل فيها، وتتحد معها كما سبقت الإشارة.
و"علامة" له وجوده القبلي كما تقول الساردة "وعلامة بعد زمن من العمر اكتشفت أنه موجود على وجه الأرض قبلي بأزمان" ص
53.@ تقديم الساردة لذاتها بأنها النمط المختلف، فهي ليست كالنساء، ص
243.وهي النقية من بين ركام الحياة الذي أفسد لها كل شيء جميل في داخلها، ص 108، ولذلك يقول لها "علامة" "سأخلق من أجلك مكاناً وزماناً..." ص 109، وهي تسعد بالعالم الفريد الذي تعيشه ص 243، ومن ذلك تخليها عن الاسم الذي يصلها بالعالم الذي تخرج عليه، وتحاول الانفصال عنه، فمن هنا لا يكون تخليها عن الاسم لأنها تستجيب لمنطق ذكوري، بل لأنها تشكل وتخلق لها وجوداً جديداً، وعالماً مختلفاً، وتتهيأ لأن تعايش آخر مختلفاً، وتقدم رؤية مختلفة.