Warning: file_put_contents(/home/draaicom/public_html/banarat/banners.php) [function.file-put-contents]: failed to open stream: Permission denied in /home/draaicom/public_html/include/functions_misc.php on line 0 تناوب التشكيل بين الذات وعالم النص - المحتويات - موقع الدكتور عالي القرشي - powered by Infinity
؟ التجربة الشعرية الحديثة في المملكة بدأت إرهاصاتها باتخاذ شعر التفعيلة معبراً رئيساً في تشكيلاتها الشعرية، ثم جاوزته الى حالة شعرية اتخذت ما تبثه من تشكيل شعري هو القطب الرئيس في التجربة، حتى لو أحدث له ذلك البث تشكيله الوزني المختلف بإيقاعاته وتلويناته.
وكانت هذه التجربة ثرية على مستوى الفعل الشعري، وعلى مستوى التحليل الذي راودها، فقد جدلت هذه التجربة من ألم الإنسان وتمزقه وتوقه إلى الخلاص تشكيلات شعرية راودت التراث، وأعادت تشكيل الرموز المستنبتة منه، وتأملت الحاضر، وأفصحت في كل ذلك التأمل عما يحيق بالذات من فوضى، وما يمزقها من جراح، وعبث بالهوية والمقومات وكلما عانق النص الشعري الجدة، وانغرس في الشعرية وبها راود التشكيل النابع من حركة النص التي أحدثها الشاعر، فتهيأت فيه حركة مشتغلة، من الممكن أن نسميها (ذهنية النص)، وتعمل هذه الحركة على بل إنها تصبح تحت هذه الحركة الذهنية في نصها للاشتغال، تصبح هذه الذات مجرد باعث لتشكيلات من فضاءات خارج النص، ومن نصوص سالفة؛ فيصبح النص مجموع فئات من التشكيلات لم تنبت فيه حالة انسجام وتخلق من الحركة الشعرية التي تصنع للنص ذهنية يتشكل بها.
والذات التي تتشكل داخل النص فهي الباعثة والمبعوثة من النص، فهي صاحبة وجود وعمل قبل النص، وصاحبة تشكيل وتشكل داخل النص.
وإليها داخل النص؛ حيث إن عالم النص الذي توجد فيه الذات يظل ايضاً في حال تشكل من الذات وتشكيل لها، وبهذا يمكن ان نقول إن عالم النص بين الذات وعالم تكوينها؛ حيث نستظهر تشكل الذات أولاً قبل الدخول إلى جدليتها مع عالم النص، من خلال مظاهر نصية تشير إليها وإلى حالها، من خلال إشارات عناوين الدوواين او النصوص، أو ما يختاره الشعراء من الكلمات للأغلفة، أو الإهداءات، أو من خلال الإشارة المشبعة بالذاتية التي يريد الشاعر ان يجعلها بؤرة تؤول ذاته ووجوده في النص. ثم ندلف إلى مظاهر في عالم النص تدل على ما يحيق بالذات ويحيط بها في عالمها النصي، لنصل آخر المطاف الى الجدلية التي ينشأ منها التشكيل في النص. فلنقف على ديوان لطيفة قاري (هديل العشب والمطر)، لنتبين فيه هذه الحركة؛ حيث نجد العنوان معلماً واضحاً من معالم الذات الشعرية؛ يظهر الحاجة والتعطش لاستقبال المطر الذي ينبت العشب، والارتواء منه، وسحب ذلك على مدار الترنم بموسيقى الديوان؛ الذي يكتنف ذلك التطلع بلحنه الشجي الحزين، والتفاعل ما بين العشب والمطر يشي بالتعطش الى رؤية الحياة التي يخصبها المطر، وقرن ذلك بالهديل ايضاً يشي بالانتظار، والحزن على زمن مضى، والتلهف لآت عله يأتي بالمزاوجة ما بين المحيي وحاضن الحياة.
وإذا جاوزنا ذلك إلى ما اختير من كلمات شعرية على الغلاف الآخر، فإنا نجد:
من أطفا جسدي
الآن لم يعد ثمة ضوء
نهتدي به
إلى نبع الحروف
من أطفأ جسدي
من أطفأ الحروف
لنرى الذات المنطفئة جسداً، والمنطفئة تعبيراً، لكن الصرخة باقية للاحتجاج وبث الألم، واختيار هذه الكلمات في هذا المكان يشي ببقاء الصرخة رغماً عن المساحة التي قدمت فيها الشاعرة هديلها.
وحين القراءة داخل الديوان نجد مثل هذا النص:
انا أقرأ الآن شيئاً لذاتي
وأذكر قافية للمعري
أنا
من أنا
حين يجلسني كتاب فوق ركبتيه
ويبدأ تقصيع يومي
@@
هل أقاوم زحف الغبار
وأنقع جسدي في الظلال
أم أنام على ركبتيه
وأسلمه نبضي
يقطعه كيف يشاء
ص
70نجد أن الذات الشاعرة تتشظي في عالمها، تبحث عن الالتئام في عالم القراءة؛ لكن ذلك الالتئام يؤول إلى تشظ، تقوم معه أسئلة مقاومة الزمن، الانزواء في الظل، تحول التقطيع للزمن من أن يكون للذات بالكتاب إلى أن يكون للكتاب بالذات، مما يشي بتحول الذات إلى شيء.
أما عالم النص في هذا الديوان فيتجسد في ما يتأمله النص، ومما يحاوره، وما يتوجه إليه للخلوص من قلق التشظي، وتحقيق رعبة الالتئام، فتجد في النص المكان المغلق، مثل: الغرفة، والمنافذ مثل الباب، وما يحيط بالذات مثل: الفراغ، الأشياء المحيطة، وما تتأمله الذات مثل: البحر، السرب، الكتاب... وكذلك فضاءات الذات التي تروم منها الالتئام مثل: الحكايات، تأمل النجوم، الأحلام، القصيدة، وما تضجر منه الذات، وعلامات ضجرها مثل: الحزن، القلق، اللهفة، الوجع، اليأس...
وحين نأتي إلى ما تجدله الذات وعالم النص نجد أننا في هذا اليوم نقف على لحظة النطق، التي فجرت الصمت، لحظة الالتئام والتحام الكلمات، أو بالأحرى صهر الفضة من مواجهة الذات لعالمها، على النحو الذي تجسده الشاعرة في آخر الكتابة، في الديوان حين قالت:
لحظة الصمت
كانت صحو الكلام
الذي صب فضته
في غبشس القصيدة
فلحظة الصمت... لحظة القلق.. لحظة اختيار الالتئام.. فجرت الصرخة، وكانت صحو الكلام، الذي أنست له الكتابة، واعتبرته ضوء القصيدة، الذي جعل لها تكويناً ومعنى... لنجاوز هذا التأمل في غبش القصيدة... هل أصبح صحواً؟ إلى النص الأول في الديوان المعنون ب(السرب)، لنكشف من خلاله حركة (ذهنية النص) الناتجة عن الجدل بين الذات وعالم النص؛ حيث يطالعنا هذا النص بحكاية للذات، عن أولئك الذين يحضر وجودهم من أعماق تكوين تشكل في مخيلة الذات، حيث جلاهم النص من ذلك العمق بتلك الفجاءة المماثلة في ذلك البدء الذي داهمنا بقولها (وكنت أرقبهم من زجاج نافذتي)، حيث يحضر في البدء للضمير (هم) بعد فعل الكينونة (كنت) بعد الواو التي تحيل إلى حال كانت فيه؛ مما يجعلنا أمام تكوين سابق وأمام حضور يحيل إليه الكلام؛ حيث يستحضر جمع الغائبين (هم) حتى إذا اكتمل الترقب من المتلقي المجرد والمحايث للذات في تشكيلها، يأتينا تفسير في لغة تحاول أن تكشف الرؤية بصعوبة؛ حيث إن المرئي هو (ذلك الجمع الغريب الملون)، فهو مرئي غير منكشف وهنا يأتي تعادل حال هذا المرئي مع حال طريقة الرؤية (أرقبهم من زجاج نافذتي)، وهذا يحيلنا إلى ما أشرنا إليه سابقاً في معالم الذات الشاعرة من انها منكفئة، لا تمكن من الرؤية الكاملة؛ حيث ان النظر من بعد.. نظر مراقبة.. نظر غير مباشر، مما يجعلنا ننتقل إلى عدم تحديد المرئي، وقد انجدل هذا مع الحركة الذهنية النابعة من النص، فهي تنفتح على الاحتمالات اكثر من استمدادها من اليقين، واصبحت مساحة التأمل اكثر من مساحة التعبير عن الذات، فكانت معاناة المرئي وعذاباته، أكثر من بوح النص، يقول النص:
وكنت ارقبهم من زجاج نافذتي
ذلك الجمع الغريب الملون
من أين أتوا؟
وإلى أين هم ذاهبون
وكيف يحتمل الرصيف المعذب اسرارهم
حيث تلتقي رؤية الذات لغموض المصير مع غموض هذا الجمع الذي يكون عالم النص، مع ضبابية المنظار، ومحدوديته، وغموض اسرارهم.. ثم يبدأ بوح الأسرار بالغموض خلفها وبعثها من جديد... في حال تستثير الكشف حين يوصف الرصيف بوصف العذاب، وحين تحضر لغة القتل في قول النص:
كتب عليه أن يرتمي كالقتيل
وأن يبارك قاتله
وأن يهيئ للسرب الغريب وجهته
هذا الأمر الذي ينكشف معه الغريب، وينكشف معه عدم استقراره، ويغمض كذلك اتجاهه.. لكن النص يجد في ارتقائه إلى فرجة في السماء خروجاً من المأزق، ليس له، ولكن للمتلقي وللذات التي تصحب المتلقي، حين يقول النص:
أين هم ذاهبون
ولماذا يستطيل النهار تحت أقدامهم
والأرض تقصر
تقصر
حتى تعود رصيفاً يؤدي إلى فرجة في السماء
هنا تحضر في النص لحظة امتزاج بهذا المرئي، بعد أن تراءت فرجة في السماء، فأصبحت الأرض ذاتها مثل ذلك الرصيف الذي ارتمت عليه طيور السرب، وأصبح هذا التشكيل للذات مع عالم النص، التشكل مع السرب، تشكيل ما حوله، فيؤول المشهد الى مزج الذات لذلك الأفق الذي صنعته لهذا السرب، حيث اصبحت الذات متمنية للانطلاق ومعانقة هذه الفرجة التي لاحت على يد أحد أفراد هذا السرب، الذي يسرد النص حكايته على النحو التالي:
وأنا ألملم ما يتساقط منهم
لأخرس أسئلتي
من أين جاءوا؟
إلى أين هم ذاهبون؟
هنا النص كاد ان يسدل الستار على هذه الحكاية، وصرح بذلك حين قالت الشاعرة:
أوشكت أن أترك النافذة
وأن أتسلى بقضم الفراغ
ولكن النص بدأ نسجاً جديداً، حين جاءت الذات بتأويلها، بوعيها لتكون من ذلك القتيل منصة انطلاق، ليكون مثل الرصيف الذي أطلق السرب إلى فرجة في السماء، لتنغمس الذات في الحكاية المسرودة، لترسم الفضاء الذي تريد.. في ذلك التحول الذي حول الذات، وحول المتلقي، حين تركت، ما أوشكت عليه فقالت:
حين حط على ضلفتي طائر ضل وجهته
وارتمي كالقتيل
فباركت قاتله
وتهيأ وقتي له
ومن هنا يرسم النص في ضوء ذلك التكوين الجديد لذلك القتيل، وفي ضوء ذلك التحول من مشاهدة الخارج الى تأمل الذات، لنكون أمام جذوة جديدة تسري في المتلقي ليقرأ الحكاية، وينغمس فيها من جديد مع انغماس الذات في مكونات عالم النص.
-----------------
الجزء الأول من نص الورقة التي قدمت ملخصاً لها بالملتقى الثالث لنادي القصيم الأدبي
الزوك : ـ الزَّوْكُ: مَشْيُ الغُرابِ، وتَحْريكُ المَنْكِبَيْنِ في المَشْيِ، والتَّبَخْتُرُ،
ـ كالزَّوَكانِ، قيلَ: ومنه:
ـ الزَّوَنَّكُ.
ـ والمُزَوْزِكَةُ: المُسْرعَةُ، تَقَدَّمَتْ.
ـ وزُوكُ، بالضم: ة باليَمَنِ.