Warning: file_put_contents(/home/draaicom/public_html/banarat/banners.php) [function.file-put-contents]: failed to open stream: Permission denied in /home/draaicom/public_html/include/functions_misc.php on line 0 تناول التشكيل بين الذات وعالم النص قراءة في التجربة الشعرية الجديدة في المملكة ( 2 3) - المحتويات - موقع الدكتور عالي القرشي - powered by Infinity
الكتابة والحكاية تناول التشكيل بين الذات وعالم النص قراءة في التجربة الشعرية الجديدة في المملكة ( 2 3)
تطرق الحديث في المقال السالف الى حركة تنشأ في النص تنغرس فيها الذات وتتفاعل مع عالم النص، فتظل حركة التشكيل في حال تجاذب بين الطرفين، الذات لها فعلها في ذلك، وهي أيضا مستجيبة لحركة (ذهنية النص)،، وقد تأمل المقال ذلك من خلال تطبيقه على ديوان لطيفة قاري: هديل العشب والمطر، وسنتابع فيما يلي عرض الجزء التالي من هذه الورقة التي قدمت ملخصا لها بالملتقى الثالث لنادي القصيم الأدبي.
@@@
وإذا وقفنا على ديوان حمد الفقيه (نقف ملطخين بصحراء)، لتتبين ذهنية النص التي تشكل شعره في هذا الديوان من خلال التناوب بين الذات وعالم النص في التشكيل تراءت أمامنا جملتان شعريتان ينتزعهما الشاعر من الديوان، ويجعل الأولى بوابة الدخول إليه، وهي جملة (نقف ملطخين بصحراء)، والثانية طريق الخروج منه وهي (أركض وكأن حريقاً يتبعني)، وما بين هاتين الجملتين عالم النص، ومتأملاته. فالجملة الأولى هي العنوان الذي اختاره الشاعر لديوانه، وقد وضعت باللون الأحمر في إطار يجعلها لافتة، وعلامة، تقف أمام القارئ لتظهر بها تلك الوقفة الجماعية، حين يقول الشاعر (نقف)، كأنه يحتضن هاجس الجماعة، ليأتي الحال (ملطخين بصحراء)، وهنا نجد أننا أمام أول مفارقة مع الشعر السائد؛ حيث يسير هذا الديوان في نسق شعري مختلف يعري الذات، ويكشف العيب، ويأتي بصحراء هنا متسمة بالتلطخ وحمل العيب.
وحين يقلب القارئ الديوان على شقه الآخر؛ ليرى عادة ما يكون هناك من تعريف بالشاعر أو بشعره، يجد الجملة الثانية التي تأتي وكأنها التعريف، تأتي لتعلن ذلك المدى الذي يخب فيه الشاعر مذعوراً يلتمس النجاة.. وكأن ذلك خروج من ذلك الفضاء الذي شب الشاعر أواره بكلماته داخل الديوان.
وإذا مضينا داخل الديوان وجدنا عناوين تستقل بصفحات جاء بها الإخراج آخر الصفحة، وكأنها خاتمة التأمل في بياض الصفحة، أو انها السواد الكتابي الذي يمثل نافذة عبور وحيدة من صمت البياض، ولكنها النافذة التي لا تأتي إلا بعناوين تستدعي الانتقال إلى ما بعدها، وقد اشتمل الديوان على ثلاثة عناوين رئيسة تتخللها العناوين الفرعية.
والعناوين الرئيسة هي:
العراجين، هل تتسع الطاولة لكل هذه الرعشة، ليبيدو.
ومن خلال هذه العناوين التي جعل الفقيه شعره في الديوان تحتها نجد مفارقة هذه العناوين للمألوف، حيث إنها تعكس تحولات ورؤى لحالات الذات وهي تعاقر الدهشة، ويخنقها التحول، وتذوب في زحمة إشباع الغرائز؛ أي إن القصائد هنا لم تعد تعبيرا عن الذات وهي تحاول الوصول إلى النشوة وذروة الشوق، ولكنه تقرأ الذات وهي في حال الاستسلام لنهاية التحولات، وانكسار الحيوية، ودخول الذات في فضيحة عري الذات، حين تقصي عن نفسها لباس السر، وحمى الخصوصية حين ترتعش الحيوات على طاولة واحدة.
والعنوان الأول (العراجين) يشير الى احتمالين يضعنا الشاعر في بوابتهما لنلج منه إلى معالم الذات، يصلنا الاحتمال الأول بتلك الحال التي نشاهد فيها العذق يابساً وقد قطعت منه الشماريخ، فهي حال امكانية كانت ثم جار عليها الزمن، وبقيت شاهدا على ذلك العطاء الذي جف، والنظارة التي بهتت.
أما الاحتمال الثاني فيصلنا بشيء أقرب إلى التعبير الإنساني والتشكيل الفني، حين يقودنا الى دلالة في العربية تجعل العراجين صورا للنخل والدمى في الثوب.
ونحن مع الاحتمالين أمام تشكيل لحالة بقيت دلالتها التي تقرأ اليباس، وتسجل ذلك في صورة ماثلة يحملها الإنسان في سفره وإقامته، وتزداد جلاء مع تعاقب الأيام، حين يقترن العرجون بذلك التحول الذي اختاره القرآن الكريم للعرجون دلالة على تحول حركة الحياة، ودورة القمر في قوله تعالى (والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم).
ونقرأ في العنوان الثاني (هل تتسع الطاولة لكل هذه الرعشة؟) انكشاف الإنسان، وعريه، واستباحة حمى خصوصياته.. فقد آل استقطار الشهوات والرغبات على طاولة واحدة في مكان مكتظ بمثلها، وممتلئ برعشات اخر إلى حالة انكشاف تسقط التستر، ولقد حمل ذلك التعبير دلالة على استقطاب الفعل الإنساني في ذلك الحيز الضيق، وحبس نشوته في مدى يقصر بالنشوء أن تؤول إلى فعل إنساني متسام.
أما عنوان (ليبيدو)، فإنه يعلن عن سفر الذات الشاعرة في أبعاد الذات الإنسانية، ويشير إلى ذلك الجهد الذي أقامه الإنسان ليسبر أغوار جنسه، فهو مصطلح من مصطلحات التحليل النفسي، يخفي وراءه عمق الحب وتوتراته، وأداؤه، وما يقود ذلك من توترات بين الذات والجماعة.. ولقد ترك لنا الشاعر هذه البرقية بإشاراتها وما تحتضنه من دلالات تعانق الشحنات العاطفية ووهجها، وترتد الى طاقة الدافع الجنسي، فالليبيدو LIBIDO يعني الطاقة النفسية والانفعالية النابعة من الحافز البيولوجي للجنس، وقد يمتد ليشمل الحياة غير المتميزة، والطاقة النفسية.
أما عالم النص فيظهر فيه ما يحيق بالشاعر من جبروت المدينة، وما يستحضره من الثقافة التراثية والحديثة، وما يتأمله هو للبعير، البحر، الصحراء، الأب، الأطفال، المدرسة..، العوالم المحيطة، مصادفات الحياة اليومية.
وإذا دلفنا الى الديوان لنشهد هذا التشكيل، وجدنا مواجهة الذات للآخر، واتجاه الذات إلى رؤيتها، وانحيازها لها، وإصرارها على بنائها بالتعبيرات الممهورة بتوقيعها ورؤيتها قطعاً نابضة بالقلق والتسخط، وراسمة توترات الذات الإنسانية، وما يواجهه التفرد والتمرد من قلق واكتئاب، فنحن أمام ذات تصر على التفرد فتتمرد، فتواجه ما يترتب على ذلك، وتنهض رؤيتها للعالم المحيط على أساس من هذا التشكيل للذات، ففي العراجين نجد الفقرة رقم (1) يقول فيها:
المُدُن
إذا أمعن فيها تقشعر روحي
وعاطفتي كغبار
أليست تملؤني عواء كل ليلة؟
يبتدئ الشاعر بكلمة (المدن)، ويجعلها في سطر شعري، ليجعل الفضاء بعده مجالاً للتأمل والإمعان، وتأتي (المدن) حاملة التعريف ب(أل) وكأنها المدن المعروفة، ويطلقها الشاعر مبتدأ، ليقود التلقي إلى الخبر، فلا نجده على حاله المعهود، فنقف على انتهاك الذات لسلطة الكلام، فنسق الكلام مبتدأ يعقبه خبر، لكن لا خبر إلا بإرادة الذات، الذات هي التي تصنع هذا الخبر فسيكون فيه فجاءة الشعر، ودهشة إبداع الذات حين تنتهك نسق الكلام.. فيكون الخبر حينئذ:
إذ أمعن فيها تقشعر روحي
وإذ بنا بعد أن كنا نبحث عن خبر للمدن أصبحنا أمام تكون وتشكيل للذات، أمام متابعة لتأمل الذات وهي تقودنا من بياض السطر الأول إلى حالة إمعان الذات، وهي تمعن في ذاتها بسبب من رغبتها في الانعتاق من ضجر وقلق المدن .