Warning: file_put_contents(/home/draaicom/public_html/banarat/banners.php) [function.file-put-contents]: failed to open stream: Permission denied in /home/draaicom/public_html/include/functions_misc.php on line 0 أسئلة القصيدة الجديدة - المحتويات - موقع الدكتور عالي القرشي - powered by Infinity
على مدى الشهرين السالفين كنا نناقش في هذا المكان الأسئلة التي تثيرها القصيدة الجديدة، وتتشكل بها، اعتماداً على مسلمة أن القصيدة الجديدة سؤال في تشكلها ورؤياها.
وسيكون حديثنا اليوم عن أسئلة هذه القصيدة على مستوى الرمز؛ فالقصيدة الجديدة تتجه إلى تكوين الرمز أو تشكيله من جديد؛ فلا يكون رمزاً مستدعى بهيئته المرموز بها فقط، وإنما يصبح متشكلاً في عالم النص يشكله ويتشكل به، في حالة حركة قابلة للتشكل في ذهن المتلقي، بمعنى أنه يصبح في حال من الاحتمال، في حال من السؤال، لنقرأ هذا النص لعلي الأمير، المعنون ب"بوصلة واحدة .. لا تكفي"، الذي يقول فيه:
من رأى رجلاً سرقته الأناشيد
من سقف حنجرتي
وحده انداح في غمرة الريح
والبحر يخرج من مقلتيه حييا
وناديته والشواطئ حاسرة فوق وجهي!
ستطفر نحوك كل الأناشيد مغبونة
والنقوش التي في خواتم صوتك
تنسل من قدميك
وأنت تلوح للراحلين إليك
وتعجز عن حصر أسماء قهوتك الباردة
نحن هنا أمام رمز غير مستدعى من تشكيل سابق، فهو ليس السندباد، أو ابن ماجد، أو كولومبس؛ وإنما هو متكون من السؤال الذي ابتدأه النص، ليجعل الاحتمالات لتشكيلة آتية من رؤية النص.. ما يجعل من تشكيل الرمز على هذا النحو تجسيداً حياً نشهد حياته في تضاعيف النص، وفي حركة تلقينا له، فيندمج الرمز مع الذات، كما هو الحال في الجملتين الأوليين، حيث كانت الجملة الأولى بضمير الغائب:
من رأى رجلاً سرقته الأناشيد؟
والجملة الثانية (شبه الجملة):
من سقف حنجرتي
بضمير المتكلم، حتى إذا مضينا في النص بعد ذلك، عادت الذات تحاور الرمز، تندمج معه في المكان، تصبح الأخبار عنه، عن الذات أيضاً.
وناديته والشواطئ حاسرة فوق وجهي:
ستطفر نحوك كل الأناشيد مغبونة.
ولعل إدخال الرمز في حال حركة، وفي حال تماه مع الذات.. جعل الرمز في حال اشتغال ذهني، وحضور يحيط بالذات، فتارة هو هي، وتارة تخاطبه، وتارة تحكي عنه.. حتى إذا انتهينا إلى آخر النص وجدنا هذا الرمز يملأ عالم الوجود حول منطلق النص:
في السنابل، في الطريق، في المنازل.. ليشغل الذاكرة، ليبقى وجوداً في الحكايا، يقول النص في آخره:
قلت في السر أتبعه
فتجلى على ملأ من سنابل طاعنة في الجفاف
ومكتوبة في فضاء أناشيده
والطريق تقبل في خلسة من عيون المنازل أحداقه
وتمد له بين أخوته حلماً زاجلاً.
وهو ينأى بأعين من أزهر الماء في ضمهم
سوف ينأى وحيداً وحيداً
غداً.. تشرئب أناشيده خلف سور الحكايا
ويلفظ البحر صوب القرى
لقد تعالى الرمز، لأنه مجدول من الحوار ما بين الذات وعالم النص، لا يرضى بالواقع، ينأى عنه، يتوحد، فأصبح حلماً، وأصبح ذاكرة.
وعلى هذا النحو ما كنا لمسناه قبل هذا عند محمد زايد الألمعي، في نص بعنوان "توسلات لموت الآخر"، يقول في مطلعه:
فديتك يا سيداً ماثلاً في دمائي
أفاصلك الآن في نظرتي.. وأقسم ألا سواك يمزقني
حين آوي إلى جبهتي الباردة
أنت مني..
سوى أنني نافر منك عني..
ومن ذا يرى عافراً من دمه
أمزق وجهي عليك.. ولكنني حين أدنو أراك
تتابع ما اصطلي .. ثم تشنقني بالتعاويذ والدمع والتمتمات.
ترى كم سَكَنّا قباب البكاء
وكم منحني فوق فكرتنا الجاحدة؟
ثم نأوي إلى حلم قبل أن يكتمل..
لا قوانا تراخت ولا نحن نستعجل المائدة
نحن هنا أمام حركة السؤال التي تحرك العلاقة بين الذات والآخر، الذي اتخذت منه الذات الشاعرة رمزاً وتحاوره، وتستدني منه المنشود، ليكون هذا الآخر والعلاقة معه في حالة تغلب ومساءلة، فلم يعد المثال والمقصد مستقراً على حركة، وإنما أصبح مصنوعاً من جدل الذات مع واقعها ومع الغاية المنشودة التي تتجسد في محاور للذات وصانع للرؤيا والآفاق التي تتحرك فيها مقاصد النص وتأمله؛ في مثل هذه الحركة التي لا تستقر، إلا على تجدد الغايات، والقلق، وشحذ الهمة والصلابة.
أما الرمز الذي يعاد تشكيله، فكان من الآفاق التي فتحت أبواب القصيدة الجديدة، حين نشدت الرمز القديم، فأعادت استحضاره على نحو مجدول ما بين الأصل والذات وعالم النص، مثلما يتجلى في نص: محمد الثبيتي "وضاح" الذي يقول فيه:
صاحبي
ما الذي غيرك؟
ما الذي خدر الحلم في صحو عينيك
من لفّ حول حدائق روحك هذا الشرك؟
عهدتك تطوي دروب المدينة مبتهجاً
وتعبثُ بأطرافها عنبرك
صاحبي
هل ستهجس بالحب - بين اتساع الحنين
وضيق الميادين -
لو طوقتك خيول الدرك؟
استعاد النص "وضاح"، شهيد الحب، رمزه المقتول، فكان من المقابلة بين بهجة الحياة، نبل الحب، عمقه، أحاسيسه الإنسانية، وبين الحدود، والظنون، وحراسة الدرك.. حركة الرمز. وسؤال القصيدة التي استحضرته، لتغني بالحرية، الحب، صفو الحياة.