Warning: file_put_contents(/home/draaicom/public_html/banarat/banners.php) [function.file-put-contents]: failed to open stream: Permission denied in /home/draaicom/public_html/include/functions_misc.php on line 0 لا أحد في تبوك ( رواية حضور الغياب ) - المحتويات - موقع الدكتور عالي القرشي - powered by Infinity
في هذه الرواية، الصادرة عن نادي حائل الأدبي، لمطلق البلوي محاولة لاصطباغ التأويل بالمشهود، والالتفاف حول قناعات متعددة وتعريتها عند احتدام المواقف، متخذاً لذلك آليات عدة منها: رسم الشخصيات من خلال قناعاتها، وتهيؤاتها، والاحتكام إلى الحضور، ورسم صور الغياب من خلاله .. ورسم المشاهد المرآوية لمشاهد أخر... ورغم بساطة الحدث ومستوى بناء الشخصيات، وأبعاد القراءة، إلا أن هناك رسماً يستثير مدارات حركة النص، ويوجهها في أفقه، ويستثير رسم شخصياته وتصرفاتهم مما جعل لهذا العمل السردي مذاقا خاصا، ونكهة مميزة.
جاءت البنية الذهنية للعمل ببيئة تتعامل مع الحقائق والمجريات وفق سائد عام يفزع من القادم، وتنقصه الحقائق التي يبني عليها تصرفاته، وفي هذا السياق رسم لبطل سرده وأصدقائه تصرفات مختلفة حاول أن يقرأها في ضوء جدلها مع السائد، وأن يمتد بها إلى سياقات مختلفة عن سياق النمط العام إما بالجنون، أو باختلاف الانتماء، ولا تكاد تجد اختلاف القناعة إلا فيما تضطر الظروف بطلها إليه.
تبوك مسرح العمل، ومناط الخوف، ومركز تجمع العساكر وعوائلهم القادمين من بيئات مختلفة، وآخرين وجدوا فيها عيشا مريحا، وجوارا أليفا، تأتي الحرب (حرب تحرير الكويت بعد دخول صدام إليها)، لتجعل المدينة خاوية لتتناسب مع بنية الغياب التي تشكل عصب النص، الفرار إلى آفاق تتخلق في مقاصد النص، وتتآزر، ويتكون في كل منها مرآة للأفق الآخر.
( منصور )، باسمه الذي يستجدي النصر الذي لم يحدد طريقته، ولا كيفيتيه، وعلى من في هذا الأفق القاتم؟!، يتشكل في النص متشحا بالغياب، يغيب عنه الحب، الأمل، العمل، الحنان، يحس بفجيعة الفقد وتهاوي الرمز، صدام يهوي ويخلط الأوراق، العجوز التي وسمها النص بالبعثية، لا تمنح الحنان الأمومي لمنصور، منصور يستكين بسلبية أمام فجائع الواقع: فجيعة الحرب، فقدان حنان الأم، الفقد العائلي المستمر، فقد الوالد، فقد سليمان،عدم توافقه مع افراد الأسرة: نورة، عائشة، عبد الرحمن، وهذا ماجعله يهذي بهذا الواقع لشخصيته:" أصبح اسمي عليّ نقمة.. منصور غير أنني مهزوم.. غُلبت حين توهمت أنني قادم إلى الحياة بعنفوان وحب.. مهزوم لا منصور.. كل شيء ضدي حتى أمي أو من أحسبها أمي.. " ص15
تشكك الفتى في أمه، هويته، سر وجوده في لقاء أبيه بأمه ،يتسق مع التشكيك في هوية الانتماء الذي خلطته أوراق الحرب وتوزع الانتماءات، وامتد إلى الجوار وعلاقات الأصحاب وعلاقات العمل، وعلاقات السفر، وهذا ما كشفته أحداث الرواية، الهجرة من تبوك لأغراض عديدة، تعامل أصحاب علاقات السفر بين السعودية، والأردن، والشام.. والحوارات مع قايد اليمني، و" أبو إياد ".. لذلك ابتدأ وجوده بهذا التشكيك، ففي لحظة من لحظات هذيان الشخصية الكاشف عما في أعماقها نجد هذا الاستبطان "إنها تقصدني.. تدعو عليّ.. ماذا فعلت؟ أقسم أنني لم أفعل شيئا يغضبها.. لماذا تفعل بي ذلك ؟ هل لأنني ابن امرأة أبي التي لم يتزوجها ؟ كنت الحلم، والضحية.. أنا الوحيد بين إخوتي الذي حلت عليه اللعنة." ص14
.ويحضر الغياب في شخصية البطل متماهيا مع غياب الوعي الذي يشتغل عليه تأويل بين جزئيات النص، وفي بنية ذهنيته، متساوقا مع غياب الإنسان عن تبوك، مع جزئيات الفقد المتكررة، فقد الحب، حنان الأم، وتطلعاته لحب علياء، وحب صديقه إياد لآمنة، وحب سهام.. كل ذلك يجعل من النص مشتغلا على بنية حضور الغياب؛ ذلك الغياب الذي يتجلى حينا وهما مثل الخوف من صدام على مستوى المسرح أو الشخصية، وغياب الحب الذي يحضر أيضا وهما في حب سهام، وغياب شعارات البعث، غياب الحرية في الرأي والقناعات، على نحو ما يتجلى في الجدل الذي أقامه السرد بين مجموعة منصور وأنماط من السلط الاجتماعية، يبتدئ ذلك الحضور في توهم حضور أمه " عندي يقين أن العجوز لا تنام.. كلنا ننام إلا هي.. لا أدري لم هذا اليقين.
لها حركة غريبة.. أسمع دبيب قدميها كلما خلد من في البيت إلى النوم.. " ص80
غياب يحضر من الوهم يتماهى معه السارد، ليحضر نفسه بعد أن يقتل تعزيرا " يتلو العسكري الحكم: " ص19 ليقول بعد ذلك :" استحال كل شيء إلى غياب.. إلى زمن أسود.. إلى لا شيء.. إلى كل شيء.. سأقف أمامك يا سيد الغياب الأوحد.. " ص19،20، هكذا يغيب نسق الحياة فيراه في نسق الموت، ويساوق هذا حبا وئد في خافق لعلياء، واستبداله بحب سهام الذي يعرف كذبه، لكنه يتعالى على كل تلك المؤشرات ليخلق فروسية حب ويموت شهيدا لذلك الحب في ساحة القصاص.
ما يلفت النظر في هذا العمل السردي أن قراءته تساوق طريقة اشتغاله ، فكم أن العمل نبت من الفقد، من الموت، نجد الرواية تبتدئ من مآل أحداثها من فتنة صدام، ودعاء العجوز، فتمضي في قراءتها، ولو عدت إلى القراءة مجددا لوجدت ذاتك كأنك تتابع ما كنت أيقنت أنك أنهيته.
وكم كان بودي لو خلت هذه الرواية من طول الحديث المونولوجي من شخصية السارد، الذي يكرر مطولات الحزن، والانهزام، ونعي الواقع.. على الرغم من مجئ ذلك في لغة جاذبة، وأن يكون هناك توازن بين التأمل، والإخبار، وبين الوقائع والمصائر.
ويبدو لي أيضا أن عنوان الرواية يتسق مع بنية ذهنية النص، وحركتها، فهو ورسم الغلاف يشير إلى حضور الغياب.
شصا : ـ شَصا بَصَرُهُ شُصُوًّا: شَخَصَ، وأشْصاهُ،
ـ وـ السَّحابُ: ارْتَفَعَ،
ـ وـ القِرْبَةُ: مُلِئَتْ ماءً، فارْتَفَعَتْ قَوائِمُها.
ـ والشاصِلَّى: في اللامِ، ووَهِمَ الجوهرِيُّ.
ـ والشَّصْوُ: الشِّدَّةُ.