Warning: file_put_contents(/home/draaicom/public_html/banarat/banners.php) [function.file-put-contents]: failed to open stream: Permission denied in /home/draaicom/public_html/include/functions_misc.php on line 0 إبداعات منتدى عكاظ(أحمد البوق) - المحتويات - موقع الدكتور عالي القرشي - powered by Infinity
*.. ومن الأصوات التي شاركت منتدى عكاظ إبداعاته، الشاعر أحمد البوق، ويتضح في النصوص التي شارك بها، استبطانه لرؤية شعرية، تستوقف اللحظة، وتفيض عليها من امتداد مساحات التأمل ما يمدد تلك اللحظات، ويفرشها أمام البصيرة بمختلف منافذها.. ليجد المتلقي امتزاج العوالم، وانزياح حدودها، فيرى في صوت الحبيبة هديل الحمام، وبرد الغمام، ويجد في عالمها النخيل، وغابات الورد.. يقول في نص بعنوان "إني أحبك":
أجمل من صوتها
حين يطير على شفتيها هديلُ الحمام
أجمل من ضحكةٍ عذبتني
وضحكة أسعدتني
وضحكة بين بين
تطوف بقلبي ثنايا الغمام
أجمل من راحةٍ ودعتني
ونظرة شيعتني
ونرجس لا ينام
نخيلٌ على الوجنات
***
ويبدو لي أن الشاعر كان يتعمد إحداث فراغ في تركيب الجملة، ذلك أننا حين نقرأ:
أجمل من صوتها
حين يطير على شفتيها هديل الحمام
نجد أن التركيب يقرر لحظة ما قبل الشعر، لحظة إدراك جمال صوت الحبيبة، ولحظة إدراك جمال صوت هديل الحمام.. لحظة ما قبل المزج بين الصوتين، وجعل صوت الحمام في الأفق الأجمل والأشجى.. فنتساءل حينئذ عن لحظة الشعر، لثقتنا أننا أمام استحضار شعري ذي دلالة قادرة على تجاوز لحظة (الما قبل) هذه.. فلا نجد ملء هذا الفراغ، الذي يمزج شعرية الصورتين، الا حين يعود المتلقي الى العنوان (إني أحبك)، ليكون هذا العنوان صوتاً يمازح تشكيل الصورة، وتنداح منه سقياه للنص على مستوى الرؤية.. وعلى مستوى التركيب.. فتكون "إني أحبك" عبارة ممزوجة في ذات الشاعر، تتشيأ أمامه، فلا تكون مجرد حرف توكيد، واسماً في موقع الابتداء، وخبراً.. بل يكون ذلك كله هيئة واحدة، ومسمى واحداً، لأنها أصبحت مناط الرؤية، ومكان النظر.. فأصبحت الجملة كلها في موقع المبتدأ، وأصبح فراغ التركيب لا يملأ إلا حين يقرأ العنوان متدفقاً في النص دلالياً ونحوياً.. فتكون "أجمل" حينئذ خبراً لذلك المبتدأ..
ولقد حمل النص ماء الرؤية الشعرية، الذي تشربه الشاعر من النبع الذي اختاره لنصه، وهو نبع الحب.. لنرى ذلك الفضاء المغروس بثمار الحب، وهو يتشكل في عالم الذات حين التقت وأصاخت ورشفت ماء الحب.. فإذا فضاء هذا الحب نخيل وورد.. يقول الشاعر:
أحبُّ النخيل بفجرٍ بليل
وغابة ورد على ساعديها
وإذا الفضاء يستوعب الفضاء الزمني ليملأه بما تكون من عالم الرؤية الشعرية.
ولقد حرص التركيب النحوي على أن يساوق الرؤية الشعرية، حيث جاءت حركة الجملة الشعرية في حالة استعادة إلى النبع نبع المحبوبة، فكانت كلمة "على ساعديها"، ليست مغلقة للجملة السابقة، وليست مخبرة فقط عن مكان الورد بل جعلت الساعدين متكأ لغابة الورد، ومتكأ لما سيأتي بعد ذلك، لنعود حينئذ إلى تخيل الاتكاء على الورد.. والسير مع خبر وصورة الشاعر حين يقول بعد ذلك:
أنام كطفل
فنعود إلى الساعدين، وإلى الورد، وإلى النخل.. ليكون لهذا العالم الذي تحمله المحبوبة دهشة الطفل الذي يلتقي هذا العالم المحاصر بطرف ونبض وحس هذا العالم المدهش:
أنام كطفل
أحلق في الحُلم
أبعدَ من طرفها
أقرب من نبضها
أعمقَ من حسها بالصهيل
وفي لحظة الاستسلام هذه للحبيبة يأتينا هذا الصوت الذي يستحضر صورة تحمل الخوف والقلق، حين نسمع قوله:
خيولٌ بصدر الحكايا
وقع السنابك فيها
ليل طويل وبحرطويل
.. ولقد جاء الابتداء بـ "خيولٌ" هنا مساوقاً، لفجائية هذه الصورة، ولحالة التيقظ التي حملتها حكايات احتضنت الحب والمأساة، وبرد اللقاء، وحرارة الفراق.. فانتقلنا من حالة رؤية الشاعر على ساعديها، ورؤيتها للأشياء والحالات من خلال عالمها، ومن خلال المقارنة به في كلمات "أبعدَ من"، "أقرب من"، "أعمق من"... إلى حالات العصف التي تحضر مع صورة وبدء كلمة "خيول" لكن ذلك العصف الذهني الذي عصف بأذهاننا ونحن نستقبل الصورة في بدئها آل إلي خدر لذيذ، حين أصبحنا نجد طول الليل وأمواج بحره في فضاء الحبيبة لنعود إلى ذلك الفضاء المنسوج حوله، فيتحرك الورد من الساعد إلى الحكاية، والنخيل من الوجنات إلى دثار وغطاء يصحو الشاعر في طواياه حين يقول:
أصحو على ساعديها وقد دثرتني
ورد الحكايا وبرد النخيل
وحين نقف على نهاية النص، نعود إلى ذلك الصوت/ العنوان "إني أحبك"، ونجده هو الختام، هو العالم الجميل الواقف في ذلك اللقاء، هو اللحظة التي تظلل المكان، هو مساحة الصمت الباقية بعد أن فرّ بنغمها وبدفئها كل جميل عداها:
أجمل من كل شيء جميل
حين تبوح الحبيبة: (إني أحبك)
يفزُّ اليمام بصدرٍ
يخيمُ صمتٌ
ثم تفرُّ جيوش الكلام
***
ولئن كان شعر البوق قريباً، وصوره واضحة.. فليس معنى ذلك انه شعر يبتعد عن العمق، وعن استبطان الرؤيا، ولكنه شعر عليه مسحة من جمال الوضوح، وعمق الدلالة بما يشتمل عليها من علاقات مفارقة، وحرص على البحث وإشباع التأمل في تأملاته، ومساوقة ذلك بالتراكيب اللغوية التي تنبئ عن الاختلاف، وتساير تفرد الرؤية.