* ومن الابداعات التي توّجت منتدى عكاظ في بدايات نشاطه ابداع الشاعرة هدى الدغفق، حيث قدمت نصوصاً قرئت نيابة عنها... ولعل منتدى عكاظ في قابل أنشطته يتدبر أمر تقديم مشاركات المرأة بطريقة تماثل ما يتم في كثير من أماكن العمل الثقافي في المملكة عبر الدائرة التلفزيونية المغلقة، او عبر تخصيص بعض جلساته للمرأة فقط...
وللشاعرة هدى الدغفق عوالم شعرية تؤثث فيها علاقات تحفل بالكامن واللامرئي من العالم المشاهد، ومن الذات الشاعرة التي تستبطن ذلك العالم، وتقرأ علاقاته بصوت مسموع، ولغة منسقة، وصور تكتنز حبال العلائق بين الأشياء والكائنات، او بين الكائنات، ويبدو أن الكلمات التي تكتبها الشاعرة، هي آخر اللحظات في معايشة العوالم الشعرية، ولقد عبرت عن هذا الأمر في حديثها للاربعاء يوم 1422/3/7هـ ، حين اكدت أن الشاعر ماهو الا قلم يكتب ما يمليه عليه عقل ظل يختزن الى حين انغراس قصيدة في أرضه ليس إلا.
وهو الأمر الذي يتجلى في شعرها، على نحو ما سنرى في هذا النص القصير الذي تقول فيه:
سماؤها
نتفت ريشتيها العصفورة
ناولتهما إياه
طارتا..
يداه جناحان
فافتتاح القصيدة بالعنوان (سماؤها)، يستحضر لنا ذلك الهاجس الذي سبق كتابة النص، وبقي الدليل عليه في ذلك الضمير (ها)، الذي يشير الى الغائب الذي كان مستحوذاً على الحالة الشعرية... وتظل الغيبة متكأ في نص هدى، ففي كلمة (ريشتيها) بما فيها من ضمير غيبة، وبما فيها من تقديم على الفاعل... في ذلك تعلق بهذا الذي في الهاجس، وهو استحضار الشيء عن بعد، واعطاؤه فضاء من التأمل، ومساحة في الوجدان فتستحضر الأفعال ومتعلقاتها، قبل الفاعل... وعندما نأتي الى ذلك الذي يتجه له لب النص، وحركته نجده مستوراً، لكنه هو الحاضر، الذي استقطب الفعل، واستنطق النص، وهو الذي كان يعتلج في السماء الحالة الشعرية، وفي أفق انتظارها حيث أخفته وجلته لنا في ضمائر الغيبة:
ناولتهما إياه
....
يداه جناحان
أما مساحة الفضاء التي مدها النص أمامنا فقد ملأها هذا الامتداد في استحضار العلائق التي وظفت المرئيات لبناء نمطها الجديد، حيث لم يعد نتف الريش هزالاً، او طوراً من أطوار الكائن الحي، بل جاءت لاحداث نمط من علائق التكون، واحداث حالة لبناء حالة من التجاذب والحنان، واستقبال الحياة المشتركة، وتحقيق وجود قادر متحرك في تلك السماء الممتلئة بفعل عصفورة النص، وبجناحي ذلك المستحضر الذي مدّ له الريش فخفق باجنحته وطار بل طارتا.. وفي نص آخر تقول هدى:
أي امرأة أنت
يالك من انثى نادرة
أية اضلاع لرفوفك الرقيقة
وأية عزة في ساقيك
تحتلين كتبي المشحونة عراكاً
أحلاماً لا تأتي
وقصائد متألمة
وأنا تعصرني آلامي.. فلا أتروى
على عجل انفض حلمي
لا استودعه قلبي
يا لأمومتك التي تشبه احلامي
فلماذا لا أشبهك...
أيتها الأنثى في رأسي
أيتها الحانية على كتبي..
سأستودعك فؤادي.
وحين تقرأ هذا النص، وتقرأ الاهداء المقترن به "إهداء الى مكتبتي العزيزة".. تجد ذاتك في ذلك العالم من النظرة الشعرية التي تجسد العلائق بين الذات وما حولها.. فتفض عن المكتبة صمتها لتدلف الى تلك الاحلام، وتلك الحكايات، وذلك العالم المجنون الذي يصطخب على رفوفها... ولم تشأ الشاعرة بما فيها من روح تستدني دفء الاشياء، وتزيل عنها صقيع الانفصال لم تشأ ان تجعل عالم المكتبة منفصلاً عنها، بل اقامت من عراك الكتب، عراكاً يعتلج داخل الذات لتكون المكتبة هي الأنثى المثال، الأنثى النادرة بقوة احتمالها مقابل الأنثى في ذات الشاعرة التي تعصرها آلامها فتحجب عنها الرواء... والمكتبة هي الحضن الذي يستودع الأحلام... بينما الأنثى ينفض عنها الحلم عجولاً... وكل هذا مهد لنهاية النص التي ألقت بفؤاد الأنثى أمام حضن المكتبة وحنانها وكما كانت النهاية في هذا النص مختزلة لذلك الحوار بين الشاعرة والمكتبة، كانت النهاية في نص لها بعنوان "غابات" مختزلة لدورة الحياة، حين تقول: