* كانت مشاركة الاستاذ عبدالله باهيثم في منتدى عكاظ يوم الاثنين الموافق 1422/4/11هـ مشاركة متميزة، حافلة بنبض الابداع، وقلق السؤال، ومعايشة هم الواقع، والحدس الابداعي.. كان الرجل طيلة الجلسة يعايش قلق الكلمات، ويبدو ذلك في علامات جسده في تلك النظرات الدالة على الاستغراق التام في الجلسة، وفي تلك الأصابع التي تستحوذ على القلم ليسجل فكرة هنا وكلمة هناك.. ولربما حدس جمهور المنتدى بذلك، فدعوه لالقاء المزيد من نصوصه.. فألقى نصوصاً في ختام الجلسة ـ ولكن ما عايشه اصر عليه إلا ان يعبر عنه في مداخلته وحواره بعد المداخلات النقدية، ذلك الامر الذي ترجمه رأياً واضحا في عموده الاسبوعي بهذا الملحق الاسبوع الفائت..
ويبدو ان باهيثم تستغرقه حرارة الكلمة، وتشتعل في جوانحه فلا يهدأ إلا حين يفصح عنها.. ومن ثم يظل يتصور انطلاقة الكلمة وسدودها.. ويمعن في تصور معاناة الافصاح.. ليجسد من ذلك عزماً على الاقتحام والمواجهة.. فبعد ان عبر عن رأيه نجده يقول "وليكن ما يكون!".. وهنا يقول المعني بالمواجهة: الامر ابسط من هذه النبرة!! فهذا الرأي الذي ذكرته مشروع لك تصوره، وهو اضافة لرأي من تكلم، وهو فاتحة لحديث مستفيض في علاقة المرأة بالكتابة وبالرجل..
ولعلنا نستطيع ان نستجلي بعض بوابات شعره من هذا الباب الذي يتصور مسؤولية الكلام، وفاعلية السؤال، وجرأة المواجهة.. مع الاخذ في الاعتبار تلك المسافة التي تبحر فيها مراكب الشعر.. فالتضاريس المختلفة التي تتلون بها عجاجة السؤال..
ففي نص "السؤال" يستنفر الشاعر حالة الاختلاف التي ينشدها من حالة الرتابة التي قد تستغرقه احياناً كثيرة، فلا يخرج منها إلا بذلك التمرد على الحال الذي يجد فيه ذاته.. يقول:
تذكرتُ...
أني نسيتك
حين ألفت النساء الخليات،
والزمن المتشابه والخوف
عيناي مطفأتان
وها انني الآن منكفىء بين سطرين
ـ غادرة سَهءرَةُ البارحة
قلت اكتب ان كان هذا المساء مريبا.
ولكنني الآن منطفىء لست اعرف
اي اليقينين أدخل:
هذا السواد المتاخم!!،
أم حلما يتوسد قارعة الانتظار؟
لقد جاء نبض الشاعر، وجاءت حيويته، حين لحظة الافاقة.. لحظة التذكر للحظة السوق والحب ذلك الرمز الذي يستكنه الأشواق الفطرية لكرامة الذات، وخروجها على سدر السائد، وثلج الرتابة..
بداية تذكر النسيان هي لحظة الافاقة.. لحظة الترد على ذلك الحذر.. هي لحظة كتابة النص... كانت الاستنامة الطويلة حين الف النساء الخليات، النساء اللاتي جاء وصفهن كذلك ليكن نمطاً سائداً تخرج منه وعنه من توجه اليها بكاف الخطاب حين قال اني نسيتك، لتكون هذه امرأة اليقظة لا امرأة اللهو والعبث.
وما بين هاتين اللحظتين تنجلي الارادة، لكنها ما تلبث ان تدخل في احتمالات النفاذ او الانطفاء..
الا نطفاء يبدأ من العينين:
عيناي مطفأتان
وحين تنطفىء العين بسبب من انغلاق فضاء الرؤية امامها.. بفعل قتامة الواقع، وانسدال ستور الظلمة من فضاء الرتابة والخنوع.. حين يحدث ذلك.. تحاول الذات ان تتماسك في البحث مخارج من هذا المأزق.. فتكون الكتابة.. التي لا تنفذ الا باشتعال السؤال... يقول:
"وها انني الآن منكفىء بين سطرين:
ـ غادرة سَهءرةُ البارحة
وها نحن مازلنا بين تلك اللحظتين لحظة الرتابة ولحظة الافاقة.. لنجد ان ـ هيثم لم يمتط صهوة الكتابة الجاهزة، بل احتضنت كتابته الهم والقلق.. وتعانق حبره مع تلك اللحظات ليسهل نمو التيقظ وعوائق السدر.. لينجلي لناالسؤال:
ولكنني الآن منطفىء لست اعرف
أي اليقينين ادخل:
هذا السواد المتاخم!!
أم حلما يتوسد قارعة الانتظار؟
وما بين هذين الاحتمالين ينفتح استشعار لحظة اليقظة والارادة للقفز على الاستكانة الى صمت الانطفاء... واشعال نخر الروح:
كم مرة كنت اشعل في موتي الروح
أشعلت في ظلمات الرفاق التي تتلبس حزن الكلام لكن هذا الاشعال... يذكي الرؤية، ويزيل غبش العينين... ليجد المدينة تغط في سدر الحزن يقول:
أشوف البكاء الذي في المدينة يمشي
على كل ساقين،
يقعد فوق الرصيف المقابل
كي يتنهد
لكن رؤية المدينة من خلال هذا البكار جعلت هذا البكاء شخصاً، جعلته بديلاً عن الفعل، جعلته محرضاً على السؤال الصعب... كان البكاء مفروشاً في حركة الانسان:
"يمشي على كل ساقين"
كان يفتقد الرصيف المقابل، لينير السؤال عن الاضطهاد والقتل، والهزيمة والخنوع، يقول السؤال:
أترى؟؟؟
كلما اثخنوا القتل في ساحة
تستدق الانوف
وكما ينهض السؤال من قتامة الواقع، ومن سدود القنوط، ومن سدر الرتابة... نرى باهيثم في نصه الآخر... يحاول الخروج من ذلك.. باستقبال لحظة جديدة من التطهر لينفتح على رؤية مسارب جديدة لمساحة وجوده، وفضاء فعله... يقول:
قلت
أغتسل الآن من عدمي
وأطاول موتي
فأبصر خلف المدى وطنا جاريا
وجباها تفوح هوى أسمرا.. ونساء.
ليلتصق بالرمل، وتكون الاقامة منه ممتزجة مع حداء ذاك الذي يلتصق بارادته وعزيمته.. ويستبعد الاستكانة الى الحظ... فيغني:
القعال : ـ القُعالُ، كغُرابٍ: نَوْرُ العِنَبِ وشِبْهِهِ، أَو ما تَناثَرَ منه، والوَبَرُ الناسِلُ من البَعيرِ.
ـ وأقْعَلَ النَّوْرُ، واقْعَأَلَّ، كاشْمَعَلَّ: انْشَقَّتْ عنه قُعالَتُه.
ـ والاقْتِعالُ: تَنْحِيَتُه واسْتِنْفاضُه.
ـ والقاعِلةُ: الجَبَلُ الطَّويلُ.
ـ وعُقابٌ قَيْعَلَةٌ وقَوْعَلَةٌ، على الصِّفَةِ والإِضافَةِ فيهما: تَأوِي إليها وتَعْلوها.
ـ والمُقْتَعَلُ، للمَفْعولِ: السَّهْمُ لم يُبْرَ بَرْياً جَيِّداً.
ـ والقَعْوَلَةُ: القَيْعَلَةُ، وتقدَّم.
ـ والقَعْلُ: عُودٌ يُجْعَلُ تحتَ الرَّطْبِ من قُضْبانِ الكَرْمِ، والقَصيرُ البَخيلُ المَشْؤُومُ. وكأَميرٍ: الأرْنَبُ الذَّكَرُ.
ـ والقَيْعَلَةُ، كحَيْدَرَةٍ: المرأةُ الجافِيَةُ العَظيمَةُ، والعُقابُ الساكِنَةُ برؤوسِ الجِبالِ.
ـ والقَوْعَلَةُ: ع، والجُبَيْلُ الصَّغيرُ، أو الأكَمَةُ الصَّغيرةُ.
ـ وقَوْعَلَ: قَعَدَ عليها.
ـ والاقْعيلالُ: الانْتِصابُ في الرُّكوبِ.
ـ وصَخْرَةٌ مُقْعالَّةٌ: مُنْتَصِبَةٌ لا أصْلَ لها في الأرضِ.