خريطة الموقع
الإثنين 21 مايو 2012م

ليلة العشاء الأخير مع الوالدة رحمها الله  «^»  تجربة محمد الثبيتي الشعرية عند النقاد العرب  «^»  لطيفة قاري وحوارها مع عالم الشعر  «^»  لطيفة قاري وحوارها وع عالم الشعر  «^»  لطيفة قاري تتماهى مع أغنيات الوجع  «^»  سلطة بغداد: النص / المدينة  «^»  عالي سرحان  «^»  حركة القصيدة المعاصرة في جامعة الطائف  «^»  محاضرة بجامعة طيبة ( خبر )  «^»  أفق الكرامة تحديث جديد المحتويات


المحتويات
بحوث
رؤية النقد الحديث لبناء القصيدة الجاهلية

عالي القرشي









رؤية النقد العربي الحديث لبناء القصيدة الجاهلية

د/ عالي سرحان القرشي

استأثرت القصيدة العربية القديمة بالاهتمام ، تحقيقاً ، ودرساً ، منذ أن حاول الإنسان العربي الخروج من كبوة تمزقه ، وبعده عن أصول حضارته وهويته ، مع محاولة معانقته لحوامل تطلعاته للنهضة ... عاد إلى تلك القصيدة يحمل عنها مفاهيم ، ويحملها أخرى ، بعضها لقفها من التراث ، والبعض الآخر اكتسبه من معطيات الثقافة الحديثة التي عاقرها ، وأخذ منها حمولاتها ما يضئ به تراثه الثقافي والحضاري .
و سنراجع هنا الإنجاز الذي حققه النقد العربي الحديث للقصيدة العربية القديمة ، فهو أمر يستحق التوقف والمكاشفة: ذلك لأنه أمر يكتنفه مقولتان إحداهما ترى أن هذا النقد أغمض القصيدة ، وغرّبها ، وأحكم التكلّف في الربط بين أجزائها ، والثانية ترى أن هذا النقد عمقها ، وكشف أبعادها القصيّة ، وأعلى من عقل الإنسان العربي الذي أبدعها .... ، وسأعالج هنا أمراً جزئيا من قضايا القصيدة العربية القديمة ، وهو شمولي في تداخله في علاقاته ، وترابطاتها ، وأعني به " رؤية النقد الحديث لبناء القصيدة العربية القديمة " .
ولمكاشفة ذلك سنبتدئ من النظر التراثي لهذا البناء ، وسأشير إلى ذلك بإيجاز شديد ، أذكّر فيه بنص ابن قتيبة المشهور ، الذي أحال روابط البناء إلى رغبات الشاعر من قصيدته حين يمدح الممدوح ، فجعل الأطلال لتذكّر المحبوبة ، والغزل لإثارة الأشواق ، واستدناء الأسماع ، والقلوب ، والحديث عن الناقة لتحفيز السامع للإشفاق على الشاعر ، وتقدير نصبه وجهده ، ليثمن له ذلك ، وليجزل له العطاء .(1)
وهذا الذي يذكره ابن قتيبة يلحظ فيه عدّة أمور :
1- أنه يحيل علاقة ترابطات القصيدة في أمر جزئي ، خارج عن الشعر هو " التكسب " ؛ فهو لايعتد ببكاء الديار في بداية القصيدة ، إلا من باب أنه سبب لذكر أهلها الراحلين عنها ، ليكون ذلك سبباً لذكر النساء ، الذي يكون فيه استمالة للقلوب ، فكأنه يجعل ذلك بمثابة المقدمة التي لاتعني إلا سبباً داعياً مغرراً بالسامعين ليسمعوا القصيدة .
2- تجريد حديث الشاعر عن الناقة ، والرحلة من الشاعرية الفاعلة في النص ، فكأن ذلك لايكون في النص الشعري إلا ليوجب على صاحبه " الممدوح " ، حق الرجاء ، وذمامة الـاميل ، ليبعثه على المكافأة ، ويهزه للسماح .
3- لو تأملنا أشهر المجموعات الشعرية الجاهلية ، وهي المعلقات السبع لوجدناها لاتنحصر في فلك المديح ، فمعلقة كل من امرئ القيس ، وطرفة ، وعنترة ، ولبيد ، وعمرو بن كلثوم ، ليس فيها مديح . وفي قصيدة الحارث بن حلزة مديح لعمرو بن كلثوم بقومه ، وقد جاء المديح في معلقة زهير في نسق إشادته بالصلح والسلام ، بمن تحمل الديات ، وبهذا ينتقي غرض الشاعر من أن يوجب على صاحبه حق الرجاء ، وذمامة التأميل ليهزه للسماح ، ويبعثه على المكافأة ، من عيون الشعر الجاهلي ، ليسقط بعد ذلك صدق التبرير الذي قدمه ابن قتيبة لتقسيم القصيدة الجاهلية .
وكان غالب النظرة التراثية ينظر إلى استقلال البيت ، وإلى شأن البيت في الشهرة ، وبلوغه الآفاق ، بل إن عدم تعلّق بيت بآخر قبل تمام المعنى كان يعد عيباً أحياناً . لكن هذا لاينفي حدساً عند بعض التراثيين بتسلسل وحدة بين هذه الأجزاء التي تبدو متنافرة ومتباعدة ، يعبر عنها أحياناً بالإحساس الذي يدل على الشعور العام بوجود خيط ينتظم هذه الأجزاء مثل مانجد في قول ابن طباطبا " أحسن الشعر ماينتظم القول فيه انتظاماً ينسق به أوله مع آخره على ماينسقه قائله ، فإن قدم بيتاً على بيت دخله الخلل كما يدخل الرسائل والخطب إذا نقض تأليفها ، فإن الشعر إذا أُسِّس تأسيسَ فصول الرسائل القائمة بأنفسها ، وكلمات الحكمة المستقلة بذاتها ، والأمثال السائرة الموسومة باختصارها لم يحسن نظمه ، بل يجب أن تكون القصيدة كلها ككلمة واحدة في اشتباه أولها بآخرها نسجاً وحسناً وفصاحة وجزالة ألفاظ ، ودقة معان ، وصواب تأليف ".(2)
ومثل مانجد في قول الحاتمي " مثل القصيدة مثل الإنسان في اتصال بعض أعضائه ببعض ، فمتى انفصل واحد عن الآخر ، وباينه في صحة التركيب غادر الجسم ذا عاهة تتخون محاسنه ، وتعفى معالمه ".(3)
وإن كان هذا الحدس قد ظل كامناً ، لم يتعمق مظاهر خصوصية كل بناء ، وكيفية تكوين الروابط والوشائج المتنامية من داخل كل رؤية شعرية ، بل ظل في إطار الترابطات الخارجية ، وكما أشارت حياة جاسم محمد في إطار تعدد الأغراض في القصيدة الواحدة .(4)
أما في النقد العربي الحديث ، فقد كان لإدراك هذا الترابط بين عناصر البناء في القصيدة شأن آخر ، ابتداء من ماهية لغة الشعر ، وماذا تنقل وإلام تشير ، فلطفي عبد البديع يوجه الهم إلى الوقوف على الوجود الشعري الذي يتحقق في اللغة باعتبارها فكراً للشعر ، تخلق عالماً جديداً ، تذهب فيه المعاني إلى هذا العالم لتتعانق مع غيرها ، وتدل على الوجود الشعري وتحققه ، وفيه تتلاقى شتى الصور والتراكيب ، وقد تظاهرت جميعاً لإبراز الدلالة الكلية .(5)
ومصطفى ناصف يرى أن الفهم لايستقيم إذا لم يشق القارئ على نفسه بالبحث عن التماسك أو الترابط الممكن بين معارض التفكير التي يتناولها الشاعر .(6)
أما كمال أبو ديب فقد تتبع الشرائح المكونة للقصيدة الجاهلية ، ورأى أن ترتيب الوظائف في القصيدة يخلق شبكة من العلاقات بين الشرائح المكونة لها ، وأن العلاقة بين هذه الشرائح هي – على حد قوله – بالضبط مصدر خصوصية الرؤيا التي تنبع منها القصيدة ، وبها تفيض ...(7)
وقد قادني التأمل من خلال هذه النظرات التي تستدعي الكشف عن الخيوط المتنامية داخل القصيدة الجاهلية، والتسليم بهدف البناء الكلي للنص، وفاعلية الاختلاف بين النص والنص الآخر- قادني ذلك إلى الإفصاح عن تقسيم لوحدات القصيدة، ينظر إلى تنامي هذه الوحدات، وإشعاعاتها داخل كل جزئية، وقد أشرت إلى ذلك في دراسة سابقة نشرتها في دورية علامات الصادرة عن النادي الثقافي الأدبي بجدة، وضمنتها كتابي : رحلة الذات في فضاء النص الشعري القديم (8)
ويهمني الآن أن أشير إلى أن هذا التقسيم جاء كالتالي:
(1) مرحلة كمون الفعل.
(2) مرحلة ترميز الفعل.
(3) مرحلة تحقق الفعل.
وقد عدت إلى كلمة " مرحلة" وحاولت استبعادها لما تعنيه من التتابع والتتالي، لكن أبقيها الآن، لما يلمس في بناء القصيدة في كل وحدة من وحداتها مستوى للرؤية للنص، في كل وحدة، يتنامى منذ البدء، ويعود كل مرة على ما سبقه، ليستضئ به المتابع في تفسير وقراءة الرؤية الشعرية التي بناها الشاعر عبر هذه المستويات التي تراود الفعل الإنساني، وفعل الشاعر، عبر إعادة نسيجه ضمن خلايا النص ومكوناته، وما دمنا بصدد التأمل في هذا البناء، عبر المنجز النقدي الحديث الذي أخذ يراجع حركة النص الشعري القديم، والنظرات إليه، فإن القول سيعرج بنا على هذا التقسيم، في ضوء وجوده الحركي في القصيدة العربية، وفي ضوء وجوده الرؤيوي الذي يتباين به كل نص عن الآخر، على النحو التالي:
(1) مرحلة كمون الفعل:
لا نشك لحظة واحدة أن البدء الذي يبدأ به الشاعر العربي القديم نصه له إشعاعاته التي يقبض عليها من خلال رؤيته الشعرية التي تنداح في بقية أجزاء النص، فمن بدء وقفته على هذه الرؤية التي يصحب فيها متلقيه، نشعر أننا في عالم الشعر، تقوم فيه المسميات، ويتدانى البعد، والصرم، والحنين، ونصبح أمام وجود مبعثر ممزق، تلمحه رؤية الشاعر، ونظرته، وآماله، وأشواقه، ولما كان لكل نص طريقته في هذه الوقفة، وفي هذا الجزء من القصيدة الجاهلية، كان ذلك داعياً للتأمل الذي أظهر تلون هذه الجزئية، بالخيط الرؤيوي الذي ينتظم قصيدة الشاعر الجاهلي، فظهرت كل وحدة بلونها الخاص، وصورها النازعة في خيط نصها، وإن كانت من ضمن ذلك الخيط الرؤيوي الشامل لرؤية الإنسان الجاهلي، الذي يقض مضجعه الفناء، ويرهقه الترحال، ويظل على خيط شفاف بين النيل والميل، الرغبة والرهبة، الحياة والموت.
تتراءى هذه الوحدة التي أقترح تسميتها بـ " مرحلة كمون الفعل" وهي تنتزع لحظة وجود الحياة، ونموها، من الفناء، ممثلاً في الأطلال التي لم تعد مكانا يراه الشاعر ماثلاً للزوال، وإنما أصبحت مكانا تنغرس فيه بذرة الفعل الإنساني، ويلتئم إليه الوجود المبعثر، فأصبح النؤي، والأثافي، وأعواد الثمام، محاضن لوجود إنساني، يلتحم مع ذرات الوجود في المكان وفي الزمان، حتى إذا التأم المكان بما فيه من إشارات للحسرة، ولوعة الفراق، ورهبة الفناء .. التأم مع حسرات الإنسان، ودمعه، ووقوفه، نهض المكان من العفاء، ومارس سلطة الوجود بأسمائه، وباستعلائه على الزوال، وجاءت لغة الشعر تؤسس به وجوداً يغالب الزمن، ويخلد، إذا ارتسم نقشاً وأثراً خالداً، ووشى على ساعد الإنسان وكفه.
وعادة ما يصُّر الشعراء على إخصاب هذا المكان، وإن نأى عنه الإنسان، وتوحش، وعمر بالحيوان من بقر وغزالان، يتغنى الشاعر الجاهلي بما يتراءى بينها من جذل، وفرح بالحياة، وصور لتتابع الحياة في نسلها، وفي الوقت الذي يستدعي الشاعر الجاهلي الود في مراتع هذه الظباء، والعين، يستدعي علاقات ود انصرمت، ويسترجع ذكريات ولت لحب مندثر، يرسم أحياناً لوعة التحسر عليه بذكر رحيل النساء الظاعنات، التي يتعالى رحيلها على جزع الفراق، فيذكر اللباس والمتاع الباهي الجميل لهن، ولهوادجهن، حين تستقر الظعائن على ظهور الإبل، ويتعالى أمل الشاعر على تحسره، فيتداعى إليه الشجر المثمر حين يصور هوادجهن على الإبل، والماء الهنئ الذي يكون مقصد رحلتهن.
لذلك تتراءى هذه الآمال، وهذا الاستنبات، وهذا التعالي على الفقد والفراق محاضن تحتضن الرؤية الشعرية التي ينشدها لفعل إنساني يحضر، يغالب القطيعة، والفراق، ويعمر الوجود الإنساني بالأمل والحب.
(2) مرحلة ترميز الفعل :
في هذه المرحلة، نقف على عالم من الفعل الذاتي ، تحلق فيه الذات ، في فرح وعزيمة ، من عوالم انتصار الذات ،المقترن بالناقة ومشابهاتها من عالم الحيوان الوحشي ، ولما كان مانراه هنا ليس مقترنا بفغل من أفعال الشاعر في علاقته بقومه ، وليس محددا للناقة , أو لمواضع حركتها ، ساغ لنا أن نسم ذلك بالترميز خاصة أنه يحلق بأفعال الشاعر في عوالم مواجهة حيوان الوحش للخطر والمصير ؛ ففي هذا الجزء نقف مع الشاعر على وجود شعري مختلف عما سبق، يبدأ بإرادة يؤكد عليها الشعراء كثيراً، وبانقلاب على ذلك التحسر ولوعات الحب، وإعلان للصريمة والهجر، على نحو ما نجد عند طرفة بن العبد حين يقول :
وإني لأمضي الهم عند احتضاره
بعوجاء مرقال تروح وتغتدي


أو لبيد بن ربيعة حين يقول:
واحب المجامل بالجزيل وصرمه

باق إذا ضلعت وزاع قوامها
بطليح اسفار تركن بقية
منها وأحنق صلبها وسنامها

أو بشر بن أبي خازم حين يقول:
فسل الهم عنك بذات لوث
أمون ما تشكى من كلال

فنجد حضوراً قويا للذات، إما بالتأكيد من خلال ضمير المتكلم، وحضور إن المؤكدة، وجوابها، أو بتحول الخطاب إلي أمر للذات، وهذا خلاف ما نجده في المرحلة السابقة (كمون الفعل)، من الاستقواء بآخر وذرف الدمع، وإذا كنا في تلك المرحلة نشهد التصاقا بالمكان، فإنا نشهد هنا رحيلاً قد لا يكون عن المكان، بقدر ما يكون إليه، ولكنه الفراق الإيجابي الذي يتوق إلى فعل إنساني، يظل في هذه المرحلة من بناء القصيدة رمزاً تلحظ فيه عوالم النصب والتعب، والصراع، بما يتجه إليه الشاعر من مساحات للرؤية عبر رمزية الصراع ومقاومة الفناء التي يرسمها الشاعر في لوحة الحيوان الوحشي، وما يتخلل ذلك من تعلق بالحياة، وحرص على امتدادها، ونيل مقوماتها.
ومن خلال متابعة النص الجاهلي نجد هذه المرحلة في كل نص تتلون بلون الرؤية التي شكلتها، بل إن غيابها أحياناً يعني دلالة تتسق مع بناء النص.
ففي معلقة زهير لا نجد هذه المرحلة، ويبدو أن الشاعر لم يرد في هذه القصيدة التي تتغنى بالسلم، وتبتهج به، وتشتكى من الحرب، وتقدمها في صور توحي ببشاعتها، أن يجعل في نصه ميدانا لإعلاء الذات، وبث لوحات المواجهة والصراع..
ولا نجد هذا الترميز أيضاً في بعض نصوص الصعاليك، الذين يبدو أن فعل التصعلك، والتصاقهم بعالم الوحش، جعلهم يستغنون بهم عن أن يستدنوا لهم به ترميزا على ظهر الناقة، أو من فعل الوحش.
ولا نجده كذلك في نصوص الشعراء الهذليين الذين يذكرون قصة المشتار، لإنهم استغنوا بمكابدة أهوال الاشتيار ، ومواجهة الموت ، وظفروا بالعسل ، فجعلوا ذلك رمز الانتصار ونيل الأماني .
ولا يكون الترميز في هذه المرحلة من بناء القصيدة قاصراً على الناقة، فقد نجد خروجاً للترميز بشكل مختلف، على نحو ما يظهر لدى امرئ القيس حين رمز بالجواد في معلقته حين يقول:
وقد أغتدي والطير في وكناتها ً
بمنجرد قيد الأوابد هيكل
مكر مفر مقبل مدبر معا
كجلمود صخر حطه السيل من عل

مرحلة تحقق الفعل:
أما في هذه المرحلة فنقف على ظهور حركة الحياة المعاشة في وجود شعري، نشهد فيه حركة الفعل الإنساني، وهو يتراءى أمامنا في النص، نشهد فيه افتخار الذات وانتشاءها بالفعل الإنساني، إما منسوباً إليها، أو منسوباً لقومها، أو ممدوحيها، وقد نشهد فيه الهجاء، أو البكاء والتحسر على مفقودين بأعيانهم، يرثي فيهم الشاعر الجاهلي المبادئ والقيم.
ويسري في هذه المرحلة من بناء النص الخطوط اللاحمة إلى ما سبقها، ففي معلقة طرفة التي تبدأ بقوله:
لخولة أطلال ببرقة ثهمد
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد

نشهد منذ البدء الحضور الصادح المتلألئ للأطلال، وكأن هذا الحضور يغالب ما يعفي على الأطلال من قدم، ودرس، لتتعاضد مع لون المكان "برقة" الذي يشير إلى اجنماع السواد والبياض (9)، فتصبح هذه الأطلال منبعثة من العدم، متأبية عليه، فتتراءى تلوح، ويتراءى عطبها زينة، وتصبح من جسد الإنسان مثل بقايا الوشم.
حتى إذا خرجنا إلى المرحلة التالية من النص ابتداء من قوله:
وإني لأمضى الهم عند احتضاره
بعوجاء مرقال تروح وتغتدي

تراءت لنا الناقة، مطية الشاعر، تخرجه من ظلام الهم، وتراءت في المشهد وحيدة، تملأ المشهد بحركتها " تروح وتغتدي" وكأن الناقة هي ذلك الطلل الذي كان يلوح، الطلل نما هنا وأصبح ذا حركة، أصبح الناقل من ظلام الهم، فالطلل الذي كان يلوح أصبح هو الناقة، ومن البدهي أن نقول إن هذا التجسد الذي نراه، وهذا التحول من الطلل إلى الناقة إنما يتراءى في البعد الذي يمثله كل منهما، فالطلل بحضوره اللامع، بإبائه الاندثار، والانزواء في عتمة المكان، وغائلة الفناء، والناقة بحضورها الحركي، وتجاوزها بصاحبها ظلام الهم، ليصبح التنامي ما بين الطلل والناقة، ليصبح " كلُّ " منهما في المرحلة الأخيرة من بناء القصيدة " تحقق الفعل" هو طرفة، الشاعر، هو الفتى الذي يقول عن ذاته :
إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني
عنيت فلم أكسل ولم أتبلد

ليكون هو الفتى الذي يحضر حين ينظر القوم إلى من يبتدر، فيكون خارجا من بين مجموع، يتلألأ بفعله، وحضوره، وابتدائه الذي يغالب ظلام الكسل والتبلد، فيكون مثل برق الطلل، ورواح الناقة واغتدائها، بل هما في هذه المرحلة يتجسدان فيه، وهو يعانق الفعل الإنساني، في النجدة، والإغاثة، ودحر الاعتداء.


الهوامش والإحالات

(1) ابن قتيبة ، الشعر والشعراء : 1/74 ، 75 ، ( تحقيق أحمد محمد شاكر ، الطبعة الثانية ، القاهرة دار المعارف 1961 هـ
(2) ابن طباطبا ، عيار الشعر : 126 ، 127
(3) القيرواني ، زهر الآداب : 3/ 16 ، 17
(4) حياة جاسم محمد ، وحدة القصيدة في الشعر العربي ، 58 ، 59 ( دار العلوم ، الرياض ، 1406هـ / 1986م )
(5) لطفي عبد البديع ، الشعر واللغة ، 11 ( دار المريخ ، الرياض ، 1410هـ ، 1990م ، دون إشارة إلى رقم الطبعة ، علماً بأن الطبعة الأولى للكتاب كانت سنة 1969م ، مكتبة النهضة المصرية.
(6) مصطفى ناصف ، قراءة ثانية لشعرنا القديم ، 75 ، ( دار الأندلس للطباعة والنشر ، الطبعة الثانية ، 1401هـ ) .
(7) كمال أبو ديب ؛ الرؤى المقنعة ، 25 ( الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1986م ) .
(8 ) انظر القرشي ،عالي سرحان ، رحلة الذات في فضاء النص القديم ( الفصل الأول : بناء المعلقات السبع بين كمون الفعل وتحققه وترميزه ) ،نادي المدينة الأدبي ، 1421هـ
(9) القاموس المحيط : برق

نشر بتاريخ 15-12-2011  


أضف تقييمك

التقييم: 2.81/10 (19 صوت)


 



معجم الموقع
الرعص :
ـ الرَّعْصُ، كالمَنْعِ: النَّفْضُ، والهَزُّ، والجَذْبُ، والتحريكُ، ـ كالإِرْعَاصِ. ـ وارْتَعَصَ: تَلَوَّى، وانْتَفَضَ، ـ وـ السِّعْرُ: غَلا، ـ وـ البَرْقُ: اعْتَرَصَ، ـ وـ الجَدْيُ: طَفَرَ نشاطاً، ـ وـ الرُّمْحُ: اشْتَدَّ اهْتِزازُهُ.

Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.draali.com - All rights reserved
موقع الدكتور عالي القرشي  | موقع عالي القرشي | موقع عالي سرحان القرشي | موقع عالي

المحتويات | الأخبار | السيرة | الرئيسية