بحوث الذات الانثوية في الخطاب الشعري النسوي في السعودية
الذات الأنثوية والخطاب النسوي
قراءة في نص المرأة الشعري في السعودية
د / عالي سرحان القرشي ـ جامعة الطائف
قدم في ملتقى المرأة العربية بتونس عام 2010م
ينطلق الحوار في هذه الورقة من مسلمات يشار إليها فيما يلي :
(1) ــ أن كل نص يمثل خطابا يتحاور به مع خطابات أخرى
(2) ــ أن ما تكتبه المرأة يتمثل علاقة بما يقترن بوجودها الأنثوي ، وما تثيره من أسئلة حول عوائق مسارها الإنساني ومواجهتها للسلطة الذكورية
(3) ــ أن التمثل الإبداعي للخطاب النسوي يختلف بسبب الخصوصية الإبداعية عن المقولات النسوية
(4) ــ أن الوعي الثقافي للمرأة ، وما حققته من مكاسب في العمل ، والحرية ، والتعبير أكسبها الحرأة على مراودة الأسئلة الصعبة التي تتعلق بمعاشها ووجودها ،ومجاهدة الصمت ، والتسلط ، والإقصاء
(5) ــ أن المغامرة الإبداعية للمرأة ارتدت على صوتها الشعري ، فأكسبته التمثل للخطاب النسوي إبداعيا
من يتابع نص المرأة الشعري في المملكة العربية السعودية ، يشعر بتلبس الذات الأنثوية لكتابتها ، وكلمتها الشعرية ، فتجد القلق والتمزق ،والنشوة بالدخول في عالم البوح ،واستشراف الأفق ، والبحث عن شكل جديد للكتابة ، وارتداد العوائق إلى عالم من المواجهة والتجاوز داخل النص ، ومن الممكن أن نستجلي ذلك في المحاور التالية :
الخروج على الشكل الشعري :
لم يكن اختيار المرأة لشكل الشعر الحر ( التفعيلة ) ، أو قصيدة النثر مجرد اقتحام لأشكال إبداعية جديدة ، تجرب فيه المرأة أدواتها وطاقاتها التعبيرية ، وإنما كان ذلك الاقتحام لقناعة من المرأة بضرورة التجديد ، والخروج على تقليدية النسق ؛ فغجرية الريف ( غيداء المنفى ) ، حين تقول (1) :
من أين أبدأ سادتي
ديباجتي عتيقة . .دفاتري عتيقة
وأحرفي تموت في بركان صدري ..
كلها. . رديئة ..رديئة
هناك حيث الشمس تبقى يومها مكفنة
هناك حيث الماء صار قطعة مثلجة
ومن هناك ضاعت القصيدة
تناثرت في الأرصفة .. تمرغت في الوحل
لا ..بل مزقتها الريح
:.. ....
فالنص يشي بنزوع نحو التمرد على العتاقة ، والخروج نحو افق التمرد ، ومن ثم كان نعي الديباجة العتيقة ، والبحث عن حيوية للقصيدة في عالم التمرد والرفض .
وفي نص آخر نجدها تقو(2) :
يافتنتي ...
تجاوزي هذا الزمان واغسلي الجفاف
لحظة المطر
وحاولي تلوين سحنة الرمال حتى تسقطي تلك الدمى
وتبعثين في دواخلي .. معنى الفرح
لا تقتلي شهيتي بالصمت .. كوني
لعنة .. وغضبا يقارع الدفوف
أو ارحلي
ولم يقتصر إحساس الشاعرة بالرفض ، والغربة على ما يتهيأ في عوالم القصيدة ، بل ناسبت بين تبدل اسمها المستعار ، ورحلتها نحو الآفاق الجديدة في عوالم النص ، ففي نص بعنوان الهجرة إلى المنفى ، جعلت فيه عالم تجربتها الشعرية، الرحلة من اسم غجرية الريف إلى غيداء المنفى ، نجدها تقول (3) :
أنت !
ما زلت معي في رحلة المزمار
في رقصي الخرافي جميلا
بين صنج الكف والخصر ..وحمأة صخبي
ووسيم القوم .. يا بعضي .. يحاول
دفن هذا الوجه بالنسيان
لا يدرك أن الرسم والصوت معاني لغتي
وشفاهي لهما .. كوخا صغيرا .. وخلية
زارني الخوف فهاجرت بعيدا
مع مسافات الرماد الساحلي
غجر الأرياف
ما زالت خطاهم تتمدد
في مناف الغيد
تزداد .. الأغاني الغجرية
وهي التي تقول عن تجربتها في اسم غجرية الريف في هذا النص :
كنت بالأمس أرتدي ثوب الغجر
كنت ثقبا غيهبي النور .. والظلمة
في وجه ... المطر !
. . . ....
كنت أطفو فوق سرب الرفض .. في دنيا القلق
كنت نارا وسط ماء بارد .. كنت لهبا
لم أجد ما يهزم القيد على الأنفاس إلا سفرا
مع غجر الأرياف
في وهج الحرارات .. وفي قر الشتاء
فكانت بسفرها في غياهب جديدة من الإبداع ، لتكون مثل المطر ، كانت مختلفة بشكل نصها الجديد وعوالمه ، فوجدت اتخاذها الاسم المستعار سفرا مع عالم الغجر ، ووجدت في ذلك تحديا وتحايلا على القيد ، الذي واجهته بالتمرد والشكل الجديد ؛ ولذلك كانت تعبر بهذا تداعيات الرفض والقلق (4)
وفي الحقبة التي كانت تكتب فيها غيداء المنفى باسم غجرية الريف ، نجد لها نصا عموديا ، تختلف فيه التجربة الشعرية عن نصوصها الأخرى ؛ ففي هذا النص ،نجد استحضارا لصوت عاشق يخاطبها ، وكان خطابه لها بلغة النسق في رؤية الأنثى ،ومن ثم كانت المناسبة بين الشكل والنسق في هذا النص الذي تقول فيه غجرية الريف على لسان مخاطبها في لغة يتردد فيها النصح والتوجيه الذكوري :
لا تكوني أشد من قسوة الليل وأعتى من وحدة لطريدي
لا تكوني ذئبا يمزق أوصالي ويلقي الفؤاد رهن الجحود
لا تكوني مغرورة واجهضي الكبر وكفي ، عيناك زاد جحودي
يا فتاتي مزجت حبري بدمي فجفت نقاطه في وريدي
وحين تقول فوزية أبو خالد (5) :
كنت أنتظر أن أجد في تركتك بذرة من جنان عدن
أغرسها في قلبي الذي هجرته المواسم
لكنني
وجدت سيفا بلا غمد منقوشا عليه اسم طفل مجهول
وحتى لا أضيعه تفتحت كل مسامي أغمدة دافئة له ( إلى متى يختطفونك ليلة العرس )
نجد النص الشعري الحامل لهذا الصوت القادم للأنثى ، المهيئ لها لأن تحمل سيفا ، هو القصيدة ، كما أشارت فاطمة الوهيبي ؛ يتخذ شكله الجديد الخارج ، على النسق في الشكل الشعري ، فليس بالعمودي الذي احتذته شاعرات أشرنا إليهم أعلاه ، وليس كذلك بالتفعيلي لدى شاعرات أخر ؛ لكنه الشكل الذي حمل القصيدة الجديدة لدى فوزية بما فيها من عنفوان وتمرد ، وهو الشكل الذي ارتضته ليتماهى مع الذات الأنثوية في قلقها وتمردها واحتجاجها ؛ ليكون ذلك النص الذي يخرج رغما عن محاولة الغمد ؛ تقول (6) :
غمدته في مهجتي فلم يسعه الجدار
غمدته في رئتي فلم تسعه النافذة
غمدته في خاصرتي فلم يسعه البيت وامتد
إلى الطريق ينتزع زينة الأعياد الرسمية من المدن
ويحرث المدينة لموسم عيد جديد
وتقول فاطمة الوهيبي عن هذا السيف :" هذا السيف الطفل القصيدة لم يسعه المكان والصمت ، ولذا كان لابد أن يشهر ويصبح عيدا وفرح ولادة " (7)
ولعلنا نستشف من مسام الاحتضان لهذا السيف ، وإتاحة الفرصة له بالخروج في نشوة فرح ، أن فوزية لم تشأ لنصها غمدا ولو كان بمجرد السير وفق تشكيل نسقي مألوف .وفوزية أبو خالد تنطلق في هذه التجربة عن وعي بضرورة خروج الإبداع عن النسق ، فهي التي تقول في ندوة نسائية ، عقدت لتنشر في دورية قوافل :" فالإبداع لا يكون إبداعا إذا جاء دائما متطابقا ومطيعا لكل أشكال التعبير المعلومة والمسبقة عليه .. عندها قد يسمى استنساخا أو تكرارا أو أي اسم آخر إلا أن يكون إبداعا .. "(8)
وفي نص للطيفة قاري خارج على رتابة التفعيلة بعنوان ( شاعر ) ، وكأنها تستلهم وجودا جديدا للشاعر يتشكل في ضوء تجربتها ، نجدها تقول (9):
وأنا كون آخر
ليس له ذاك الدفق الرتيب
ليس له ذاك الفرح المستعار
لي عتبي على رموش النخل
لي تعبي
الذي ليس لمثله مذاق
لي محار يعد بلؤلؤة من زبد
وأخرى من كبد
وقيامة كبرى
فكأن تجدد الرؤيا من تجدد التشكيل الذي يساوق الخروج على النسق ، ويبحث عن مؤهلات لاستقبال البشرى (10):
واقف هنا
ألوح بقصيدتي
علّ سيارة يقولون
يا بشرى
فأهتف
يا بشرى
وفي إحصائية دالة عند نجلاء مطري ، اعتمدت فيها شاعرات الدواوين السبع عشرة اللائي اعتمدهن فواز اللعبون ؛ نجد النسبة بين استخدام الشكل العمودي وشكل الشعر الحر التفعيلي متقاربة ،إذ نجد من بين 690نصا 347نصا عموديا ، و342نصا تفعيليا ،ولكن على الرغم من هذا التقارب إلا أنه يبقى تقاربا ظاهريا ، لكن النزوع نحو الاختلاف باقتحام تجربة شعر التفعيلة أشد لدى الشاعرات السعوديات ؛ ففي هذه الإحصائية نجد قلة الشاعرات اللائي كافأن نسبة العمودي إلى الحر ؛ فلا نجد من السبع عشرة سوى الرقيتين رقية يعقوب ورقية ناظر، ومريم بغدادي لم يكن لديهن نصوص من الشعر الحر ، والأخريات جربن الشكل الثاني في هذه الإحصائية ، أقلهن بتسعة نصوص ما عدا نجلاء السويل بنص واحد من مجموع شعرها الداخل في الإحصائية وهوتسعة نصوص ، ومما يجعلنا نعد هذه المكافأة ظاهرية أننا نجد ثلاث شاعرات يرتقين بعدة النصوص العمودية إلى 279نصا وهن : رقية ناظر116نصا ، ومريم بغدادي 86نصا ، وسلطانة السديري 77نصا ، مما يشير إلى أن نزعة التجديد ومراودة الاختلاف لدى الشاعرات السعوديات على الأقل في الجانب الشكل أظهر من نزعة الاستجابة للنسق في الشكل العمودي .
وإذا أضفنا إلى هذين الأمرين إهمال اللعبون لقصيدة النثر ، وسير نجلاء على خطاه في هذه الإحصائية ،تأكد لدينا مغامرة الشاعرة السعودية في اقتحام التجربة الشعرية بتشكيل مختلف ، على نحو ظاهر إحصائيا . (11)
الخروج من ربقة الصمت :
على مدى تاريخي طويل نستطيع أن نسم علاقة المرأة بالشعر بأنها علاقة الصمت ، والكتمان لكي تظفر برضا الرجل ، والاستجابة للقيم الاجتماعية ، والاستثناءت القليلة عن ذلك تؤكد القاعدة ، فلئن سمع صوت القليل في الرثاء فإنه تبجيل للقيم التي يصنعها ويحميها الرجل وتقدرها المرأة ، ولئن سمع صوت بعضهن في المديح فإنه أيضا بسبيل من ذلك ، وإن جاء في بعض تلك الأصوات شكوى ، أو طلب إنصاف فإن ذلك التعبير المهادن لمن يتسلط عليها ، ويؤكد السيادة التسلطية فوقها .
ولم تلزم المرأة في مشهدنا المحلي في تأريحنا الحديث هذا الصمت فتمردت عليه ،وكشفت إشاراتنا السابقة شيئا من هذا الإنجاز ، وجاء شعرها مظهرا الرغبة في البوح ، وقهر الصمت ، ومشكلا علاقة التوتر بين هذه الرغبة ، وما يحول دونها ، ولعل الشاعرة لولو بقشان كانت تستشعرهذا حين احتفت بمفردة الصمت وجعلتها في عنوانين من عناوين دواوينها : أبجدية الصمت(12) ، ثرثرة البوح الصامت (13)، وفي نص لها بعنوان : (قد . . لا نعود ) ، نجد الإصرار على الإعلان عن الخروج من دائرة الصمت ، ونجد ذلك لا يقتصر عليها بل يجوز إلى رفيقها ومحاورها الرجل ، تقول (14):
للقلب طقوس
كما للكتابة طقوس . .
وأنت
لجدبك طقوس
ولأمطارك أكثر من لون . .
فالرغبة في الكتابة بوح تستدعيه أعماق وجدانية نابعة من القلب ، وحين يلتقي لقاء القلب مع الكتابة في الطقوس فإنك تحس بمدى الحميمية بين الكتابة والقلب ، فترى البوح بالكتابة استدعته حاجة القلب ، وقد أدى هذا الإحساس بقيمة الكتابة للقلب وجدواها أن ينتقل ذلك إلى الطرف الآخر محاورها ، فأصبحت تقول له :
وأنت
لجدبك طقوس
ولأمطارك أكثر من لون . .
وهنا يأتي الجدب موازيا للقلب ، والجدب لون من ألوان الحاجة للكتابة ، ولذلك يستدعي الخصب ،فاستدعى المطر ،فتماثلت الكتابة والمطر ،أي تماثل الجدب والصمت ، وأصبحت الكتابة مثل المطر ، أي أن الكتابة خروج من الموات .
وفي تلاق بين طرفي الحوار نجد القول (15) :
يا من وهبته
اسم طفلتي الآتية
من جزر الغيم ،
وأهداني الكون . .
ذلك القول الذي يوائم بين العطائين ، ويجعل ما يحدثه اللقاء بين المرأة والرجل متراميا إلى أبعاد كونية ، لكي يتفتق عن هذا اللقاء الكوني وجه آخر من العلاقة بين فعل الكتابة والبوح في الصمت ، وتثمين لما يفعله هذا التجلي ، مما يستدعي التمرد والرفض لكل ما يئد هذا الإعلان :(16)
ادخل معي طقوس الوهج
وأعلن كل العصيان على الشوك
المبتسم في الطريق . .
كن خروجا متجددا
من الرمادية
ورفضا
لا يستكين . .
إذا هذا التوحد بين الذات الأنثوية وحبيبها خروج من الصمت ، ودخول في الوهج ،تجاوز للرمادية ، إعطاء للألوان خصوصيتها وتوهجها ، هو الفضاء الذي يخصب الحب ، ويرسم للطقوس مسارها وفعلها ، ولما كان هذا الإعلان دخولا في طقس الوهج ، كان ذلك مناسبا لأن يظهر فعله ؛ فيكون تحديا يظهر النص قوة ما يتحداه ، فتأتي مفردة الشوك ، وتأتي سخرية من يتمرد عليهم ، ولهذا كانت المواجهة محملة بحمولات : العصيان ، التمرد ، الرفض الذي لا يستكين . .. كل ذلك ليبقي لذة الخروج المتجدد .
ويمضي النص مجليا ثمرة هذا البوح في حضرة الطفل المشاغب، لتقول في آخر النص (17) :
والشرط
أن تكون نفسك
وأكون أنا دون أقنعة . .
الارتحال مع طقوس
الشغب والصخب والاحتراق . .
ارتحال بلا قيود
بلا حدود
ارتحال فيه مخاطرة
ألا نعود . .
هكذا نجد المؤدى ، بحثا عن الوجود ، وتحقيقا للذات ، وطلبا للحرية في البوح دون مواربة أو قناع . وأن هذا البحث والتحقق أصبح مقترنا بالرجل ،وكأن لسان حال الخطاب يكشف ضرورة حرية التعبير لكليهما ، وأن كينونة المتلازمين كينونة حياتية لا ينفصل فيها الذكر عن الأنثى .
وتجد هذا البحث عن تيقظ الآخر لدى الأنثى ، عن طلب بوحه ، وإظهار صوته يشكل هاجسا إبداعيا ومطلبا وجوديا ، يفتح صفحة من طاقات الحياة ، تقول ثريا العريض في نص بعنوان ( حرف بأغنية خائفة ) (18):
وجهك يسكنني في الصميم
ولا أعرفه . . ؟
وطن ضائع . .أنت
جرح عميق قديم . .
وها نحن وجها لوجه
حروف بأغنية خائفة
هل نموت إذا صمت اللحن ؟
هنا يتجلى البوح ضد الضياع ، إعلانا عن المعرفة ، إظهارا لمن يسكن صميم الذات ،فكأن من يسكن هذا الصميم لا يتجلى إلا بالبوح ، ولذلك جاء السؤال عن الحياة بإثارة الموت قرينا للصمت .
ويتجلى في هذا البوح بعد آخر في الخطاب النسوي ، يتماهى مع الارتقاء بعاطفة الحب عن الانفعال ، والاستجابة لراهن اللحظة ، تقول (19) :
أغنية لفيروز تملؤني بالحنين
لشيء أحس بها مثلها
اغترابا أسميه
غير الذي أنت تدعوه عند اللقاء
لهفة في الضلوع . . .ارتعاش شفاه
أراه أنا موسم الانتماء
وتحسبه موسم العاصفة
ما يثيره اللحن وشجن الغناء أكبر من أن يرتهن للهفة ، وجنون اللحظة ، مهما علا البوح ، حتى لو اتخذ من مسمى العاصفة دلالة عليه ، هنا نجد البوح الأنثوي يغير الدلالة ، إمعانا في التجاوز ، فيغير التسمية ، ويخرج بالمسمى عن حدود ظن المخاطب الرجل ، ويكون بعد هذا مسار التداخل بين هاتين الذاتين على أساس من حيوية استقبال الصوت ، والاستجابة لنبراته بتسيير الروح والجسد في حالة الطلاقة ومحبة الحياة التي يبعثها ، تقول (20) :
أغنية تتدفق تملؤني بالحنين
هل نتداخل . .؟
. .أنت . .أنا . .؟
نتكامل . . ؟
فيروز تسكن شوقك لي
. .تستبد ؟
تعذبني همسة الصوت
بَحته . . في جوار السنين
يعذبني فيك شوقك للأرض فيّ
وروحي معلقة بالسماء
مع الاستجابة لهذا البوح الذي تبعثه أغنية فيروز، تتحرك صاحبته الأنثى ، وتقود قرينها إلى بهو الحياة ، ليعرشا فوق الأرض وتتعانقا مع السماء
ويمضي نص ثريا العريض مع أسئلة الموت ، وتعبره إلى التواصل مع منابع الحياة ، ومجدداتها ، لتقول عن فاجعة الموت في الصمت (21) :
إنما قد نموت
إذا القلب يوما توقف عن همسه
تلاشت به العاطفة
نموت
إذا فقد الحلم أنغامه
في صدى المعرفة
وما عاد حين يغني
يرصع في صفحات الهوى أحرفه
فتعلن عن الموت في الصمت عن الغناء ، والبوح ذلك الصمت الذي يغتال القلب والحلم واستقبال النغم
ويظل البوح هاجسا في نص المرأة الشعري ،يئول إلى قوة، تسترد ما يسرق منها ؛ ففي نص لأمل الدرويش بعنوان ( السارق) نجد الاقتران بين البوح ونضوج السر ، والقوة التي تجاوز بالذات الانحسار إلى آفاق الانطلاق ، تقول أمل (22) :
ضباب كثيف يغطيها
صناديق كثيرة
خوخ وعنب
نضج السر بداخلي
فصارت ألوانه ألسنة من لهب
خرج صوتي
يطير
في الفلوات
ينثر السر
ويحصد ما هو آت
يرفع المحصول
يشير بوجه سارقي
إن كنت سرقت مني واحدة
فقد نبتت لي ثلاث . . .
في هذا النص تأتي الإشارات الرامزة إلى مافي داخل الذات الأنثوية من عطاء ، والحاجة إلى كشف هذا العطاء ، فما بدأ به النص من إشارة إلى صناديق الخوخ والرمان أحال إلى هذه الطاقات ، وأحال الى ما يغطيها ؛فجاء نضوج السر المنسوب إلى الداخل ،مهيئا بنية ذهنية النص ، لكي تستقبل الخوخ والرمان داخل الأنثى ،فيكون خينئذ تفجر الطاقات ألسنة من لهب ، ويأتي البوح والخروج من دائرة الصمت هو القوة التي تنتشر بطاقات الذات ، وتحميها ، وتسترد ما سلب منها .
وفي نصوص زينب غاصب يعلو صوت الضجر الأنثوي مما يتسلط على حرية المرأة في لغة قد تكون صارخة ، وحادة الاتجاه ، ومستجيبة لانفعال المواجهة ، فإذا كانت تستدعي قول السيد الرجل (23):
وأنت بالمقام امرأة
إذا رفعت متونك . .
وناهضت دساتير الرفض المسطورة
بالخوف ، والعرف ، والعادات العتيقة
أصبحت امرأة بلا فضيلة . . .
فقد جاء هذا الاستدعاء من تأملات بدأت بالبحث عن القول ، واستدعاء الوجود الذي يشكل لها كيانا يستطيع التأمل ، وبالتالي يستطيع الفعل ، لتنسج من هذه الحركة حركة متذبذبة بين الفعل / اللافعل ، الكتابة / المحو ، الجهل / فعل الواقع . .لتأتي الكلمات التي تهيؤها التأملات مترنحة بين أن تكون / ألا تكون ؛ ليكون من هذه الجدلية تكوين الموقع الإنساني لما يلف الإنسان بفعله من تمزق واضطراب ؛ تقول في بدء النص :
بلا أنامل أمسك قلمي .
أعبث في الأوراق . .
أسطر كلمات ليس لها معنى . .
أشطب أحرفا لها أكثر من معنى . .
وأعود فأمزق الصفحة
هنا نجد ملامسة الوجود ، كأنها بلا طاقة ، بلا قوة ، تستدعي الكتابة لتكون الكتابة بدء التكوين والوجود لها ؛ فهي بلا أنامل وتمسك القلم ، كأن لا وجود ولا فعل لهذه الأنامل إلا بعد أن تمسك بالقلم ، وكأن ما تكتب لن يكون له وجود إلا إذا حقق المعنى ، ويبقى المعنى حلما ، وغاية مسير ، وسؤالا عن الممكن ؛ فكل ما تكتب في احتبار هذا المعنى ؛ ليكون الشطب أيضا فعلا كتابيا ؛ لأنه أتى بعد التسطير ، وبعد اختبار المعنى ؛لكن كل هذا الفعل الكتابي يؤول إلى فعل نابع من الرؤية ، فيمضي السؤال في تمزيق الصفحة . . هكذا يكون البحث عن الوجود مقاومة للوجود الهش ، للوجود الهامشي ..
وإذا كان النص في ذهنيته يتحرك في أفق البحث عن الوجود الأنثوي ؛ فهو بحث عن الفاعل الذي يواجه نسق النمطية ، ويتمرد على المألوف ، ومن هنا يكون معنى الوجود / السؤال ، المصير .. هو المعنى الذي يأتلف مع هذا الاختلاف ، الذي يتكون من صفحة مختلفة ، ليست تلك الصفحة التي تتشكل بمجرد الكتابة . . لأنها حينئذ إن لم توافق الرؤية ستمزق ؛ ليبقى الحرف الذي يشكل المعنى المتسق مع وجود الذات .. فإذا قال النص :
لا أعرف أي خاطر
يهمس في عقلي ..
أي نداء يشعل قلبي
أدركنا حينئذ قلق الكتابة المتسق مع قلق اللحظة ، قلق ضبابية الفعل ، لكن هذا الإدراك هو اللحظة التي يتخلق منها اشتغال الوجود بوجود كائن يبحث عن الأسئلة ، ويظل في حال استبعاد لأجوبة النسق المفروضة ، أو تلك التي يقنع بها العابرون :
سكينة في عالم يضج بالصرخات
قلق يؤرق ساحل النجمات
وهن لانتبين حدود هذا العالم المسكون بالألم ، والقلق ؛ فليس يظهر حده إلا بالصرخات ، وحدود النجمات ، وهي كما نعلم متناثرة في فضاء الوجود ، لا نرى إلا ضياءها ، ولا يحضر ساحلها إلا عبر بقايا ذاكرة أسطورية .. ليكون قول النص بعد ذلك :
شيْ لا أميز ملامحه
إعلانا عن حالة التمازج بين الذات وعالمها ، تلك الذات التي تماهت بوجودها اللافاعل مع مساحة غير محددة ؛ لتكون الرؤية ضبابية ، لا تميز ملامح ، ولا تستبين حدودا . . . ؛ فيبقى ما في الذات للتواصل مع العالم والامتزاج به في حدود إرادة تضغط على الذات ، وتستثير الأسئلة ، فتقول عن هذا الذي لا يتميز :
لكنه يشرب من حياتي . .
أمطار الأسئلة
ويلتهم المحابر
ويحرق الأجوبة
فتلتقي الذات مع العالم على نحو مختلف ؛ فحين اختلفت رؤية الذات اختلف تمازجها وتشكلها مع العالم ،فظلت تستدعي الأسئلة ، وتخلق الكتابة ، وتثبت وتمحو الأجوبة . تظل الرؤية في حال تشكل ؛ لأنها تبحر في المجهول ، في اللامرئي ، في غير المحدود .
وعلى الرغم من أن آخر النص يتلمس مكان الأنثى ، ويضج من التفاعل معها ، إلا أن النص فيبدئه يشكل هذه الأنثى في رؤية إنسانية ، تحاول التعرف ، والتشكل ، والكتابة ؛ لتظفر بعد ذلك بتحديد للإنسان في عالم بركاني ،يضن بالأحلام ؛ ليختفي كل فعل ، ونضارة ، خلف النوافذ المغلقة ، وضياع الألوان ، تقول الشاعرة :
هذا هو البركان الساحق
في إنسان عصري
دخل أبواب الأيام
ففتح النوافذ المغلقة
ليشتري الأحلام . .
من دكاكين الحضارة . .
من إرهاصات التاريخ
ومن مواسم الشطارة . .
. من أشياء غامقة
بيضاء كأقمار الصيف
لكن ما بين اللونين !
ضاعت في أنسجة الأشجار اليابسة،
فلم تر عروقها
أعشاب النضارة
وهكذا كان مسار ذهنية النص من تجربة تأملية تترسم الوجود الإنساني لكينونة أنثوية ، في غير استسلام للمقولة الأنثوية ، أو مجابهة للنسق الذكوري .. لكن ذلك ما إن يخرج من هذه التأملات التي تظل تثبت وتمحو .. حتى يتمازج النص مع صوت المواحهة .
( 2 ) ــ التمرد على قيود السلطة الذكورية :
من يتأمل النص الشعري للمرأة في مشهدنا المحلي يجد حالة من التوتر مع السلطة الذكورية ، التي تجد دعما لها في التبني الاجتماعي لما تلوح به من قيم وما تفرضه ، نتيجة للإرث التاريخي الطويل ، ونتيجة لدعم تلك المقولات بتفسيرات للنص الديني ، وفق المعطيات التي راقت لأصحاب ذلك التسلط .
ولعلنا نستطيع الوقوف على ذلك في نماذج كثيرة من شعر شاعراتنا ، وتأتي قصيدة خديجة العمري ( لم نكن في مكان ) (24) من النماذج المبكرة التي احتفت بسؤال الأنثى وتمردها ، وإشاعة الشك أمام التسلط والجبروت ، تقول :
باسم الأساطير التي يبست على غار الغباء
وباسم من ربوا النقائص هيبة
تمتص أفئدة النساء وتكتفي
أو تختفي،
في الليل في ثوب اعتذارات ضريرة
إن داهم الجوع الدماء
ارتد التمرد على قيود المرأة إلى نظرة ساخطة على المقولات الذكورية ،فجاء( الغار) مشيرا إلى ضيق مجال حركة الأنثى , وإقصائها ، من قبل أولئك الذكور الذين جعلوا للمرأة نقائص ، غلفوها بالوجل والخوف حين تنسب للسماء . .ولذلك جاءت أولى التساؤلات ممتدة إلى السماء، تقول فيها :
سألت خطاي عن السماء
والحلم إذ يمتد من قدمي إلى رأسي
ويسرق من تجاويف المدى المخنوق بينهما
العناوين الكبيرة
باركت هذا الشك إذ صلى على خوفي
دمي يزهو على كتفي
دم أرخى مفاتيحي الصغيرة
فمضيت
قلت قصيدتي المعراج نحو ضيائه
والقلب قافيتي الأخيرة
تمخض السؤال عن فتح بوابة الحلم ، والجرأة في الإعلان عن قوة طاقات الأنثى ، بالإعلان عن تمرد الدم والزهو به ، ( دمي يزهو على كتفي ) ، فيأتي الدم هنا بديلا لذلك الدم الذي يدخل المرأة في دائرة التهميش والبعد عن أجواء العبادة ، والتواصل الحميمي مع الرجل ، فكأن النص هنا يبني دلالة أخرى للدم ، مقترنا بسؤال السماء، يتوج بالعبور إلى الضوء والمعراج ، يقترن كل ذلك بالقصيدة التي تنسب إلى القلب ويصبح هذا الحلم ، وتلك الأسئلة ، هي مثيرات الوعي الذي يتفتق عنه تجلي الرؤية والرؤيا ، تقول خديجة :
صرنا نرى ما لم نر
ولعلنا كنا نرى العادي أقصى ما يرى
صرنا نرى ما لا يرى
عشبا صباحيا تخلى عن ضفائره الندى
ودوائر الشهوات أتخمها التحشم بالصبايا المفرغات من الصبا
أوجاعنا احتشدت بأعضاء المدى
قاماتنا اهتزت
فجاوبها الردى :
ثدي السذاجة مخصب جدا
ولكن لا تضمدنا الرضاعة
ينكشف المعراج في أفق البوح عن رؤية مختلفة ، ومرئيات متخلقة من الأفق الجديد ، تتجاوز العادي والمكرور ،ليقيم من أوجاع الأنثى واظطهاداتها الوعي الكاشف عن هذه المأساة ، وأصبحنا نرى المرأة في حال حراك وتوتر مع من يشدها إلى ما يراد لها ، فأصبحت المرأة وجودا ورؤية وجسدا مؤشرا على الرؤيا والوعي ، فما ينالها هو نيل من ذلك : العشب الصباحي الذي تخلى عن ضفائره الندى ــ دوائر الشهوات التي أتخمها التحشم بالصبايا ــ المفرغات من الصبا ــ أوجاعنا احتشدت بأعضاء المدى ـ قاماتنا اهتزت ــ ثدي السذاجة ــ لاتضمدنا الرضاعة .
تلبس وجود المرأة وجسدها بالوجود ، أصبحت بسبب من بنية ذهنية النص سابحة في حركة الوجود بها وبجسدها يعبر عن الفرح والخصب المغتال في دوائر التسلط الذكوري .
للخلاص واستثارة الرؤيا يتجلى النص عن الحلم الذي يبدأ رذاذا مستحضرا طاقة التفتق ، تقول :
هذا رذاذ الحلم ؟
بعض انسجام الطين والفجر المهيأ في
مزاريب الألم
لتكون الولادة من الوعي بالألم ، فتؤول العوائق التسلطية والإحساس بالألم إلى طاقة مجاوزة ، تستدعي مكونات ولادة الفعل من الطين ومن الفجر ، في تناسج جديد بين منبع الخصب وزمن التفتح والإشراق والكشف ، وكما كان حال الأنثى المعاقة وجسدها مستثيرا دلالات الانكسار أصبحت البشارة مطوقة الأفق بما يجاوز العوائق بفعل من هذا الانسجام الكوني . وجاء الفعل في آخر النص من المتحدثة التي حملت بشارة الأنثى قائلة:
حلم ولكن إن يكن
سأسير حافية على جسد الظهيرة
وأشيل من حضن الطفولة زهرة
وأمر في فرح على جدب العشيرة
وهنا ينتقل الفعل من مقاومة الإرث إلى تهيئة لأفق الانطلاق ، وإظهار للسيطرة والتشفي :
( سأسير حافية على جسد الظهيرة )
هنا يئول الجسد الذي كان مطويا وممتصا ومفرغا ، إلى طاقة تجمع كل العوائق في جسد لتطأها بقدمها ( قدم الحفاء والتعب ، قدم يطأ الظهيرة بكل ما تعني من قسوة وجدب وتصحر . .ليكون ذلك هو الزهرة في هذا الجدب ،وهذه القسوة . . ولتكون العشيرة بما فيها من تقليد وتزمت ، وقصور في الرؤية مرادفة للظهيرة ) (25)، وهنا نجد حركة النص في حال انتشاء بهذا الفعل ، الذي يستحضر طلاقة الجسد ونضارته وبراءته ممثلا في الزهرة وحضن الطفولة ن لتقول :
صدق انتظار الأرض للمخبوء في السحب الصغيرة
هزمت سيوف الإرث من نفح الطفولة
فهنا بشارة الرؤيا ، بشارة الحلم ، تجلي الخطاب عن قلق الأنثى وجهادها ،وتصورها لبشارة القادم ، لتقول في نشوة ظاهرة :
هذا صباح الخير
أو هذا صباح الحلم
هذي زهرتي الأولى وقافيتي الأخيرة .
ولكن لماذا أصبحت نهاية النص والرؤيا هي الزهرة الأولى والقافية الأخيرة ؟
لعل ذلك مؤذن بتجلي الفعل بعد الصمت ، وأن الفعل أولى من الكلام والبوح ، فقد أحضر البوح الفعل وجاوزت الأنثى الصمت ، فأصبح قرين الحلم والخير والزهرة هي الفعل ، ومواجهة القيود، فالقصيدة جاوزت حالة الصمت :
كنا اصطفينا الصمت مقهى
قد ألفناه
فضاق الصمت بالضيف الثقيل
وخرجت القصيدة بالذات إلى الضوء والمعراج :
فمضيت
قلت قصيدتي المعراج نحو ضيائه
والقلب قافيتي الأخيرة
وبعد أن كشفت القصيدة الرؤيا أصبحنا أمام تفتق الزهرات المتتابعة .
ونجد هذه النشوة والجدلية مع الصمت تؤول لدى شاعرات أخر مثل فائزة سعيد إلى صوت جهوري، في مثل قولها(26):
أحببتك
لذلك قررت
وما أصعب أن يقرر حب
أن أحطم خيام العشيرة
وأخرج عن حدود القبيلة
وأعلن حبك للملأ
تمثل الخطاب النسوي في الرموز النصية :
وهذا المظهر من مظاهر الاختلاف في نص المرأة الشعري ، وخروجه على النسق،يتجلى فيه ما ارتد به هذا الاختلاف على نص المرأة من تكوين رموز متناسقة مع هذا الاختلاف ومعبرة عنه .
ومن الطبعي أننا لا نبحث عن الخطاب النسوي في نص المرأة الشعري بوصفه قضايا ومطالب للمرأة توجه استراتيجيات خطابها ، وإلا نكون حينئذ عرينا النص الشعري عن فنيته ،وأصبحت معالجته معالجة فكرية ، ولكننا نبحث عن ذلك بوصفه تمثلا ، يؤول بتداعيات الخطاب إلى حركة في داخل النص نشهد فيه التوتر،والبحث عن الأفق ، أو بالأحرى ما أسميته عبر أطروحات سابقة : التشظي والالتئام
ومن هذا المنطلق نجد هذا التمثل يتحول إلى حركة اشتغال داخل النص ، أثمرت هذه الحركة رموزها داخل النص ، فتجد نص المرأة يحفل برموز القيود ، وبرموز الانطلاق والانفتاح والحرية ، وبرموز التوتر والضجر، لننظر في أحد نصوص لطيفة قاري حين تقول (27) :
أيهما يا صديقي أنا
أي وجه إذا خنته لم تخنه
يروعني خدر في العبارة
كل الكلام الذي في يدي
لم أهادن غواياته
لم أذق ملح أهدابه
لم أذقه
وكل الغمام الذي في يدي لم أسقه
وكل الذي انشق عني غريب
فضاء غريب /ومرج غريب /ومعنى غريب
فأي المفازات أطرق
أيهما يا صديقي أنا
أي وجه إذا خنته لم تخنه
أدى النظر الذكوري المطابق بين مقولة المرأة الشعرية ، وبين ما يحذرها منه ، وينهاها عنه إلى أن يمثل ذلك في انشطار الذات ، فهي تسائل الصديق الذي تلتئم إليه ، وقد استنبت هذا الصديق الخطاب النسوي الذي يراهن على الوعي الثقافي ، ونشوء صداقة تراهن عليه ، ولهذا كان هذا الاستدعاء تمثلا للموقف من المقولات التسلطية ،وجاء النص الشعري فضلا عن هذا التمثل الترميزي ،طالبا من التلقي الارتقاء إلى أفق الدلالة الشعرية ، التي تتمرد على الارتهان للمطابقة بين فعل الذات ومنطوقها الشعري ، فساغ للشاعرة حينئذ ، أن تنفي مقاربتها لمهادنة الغواية ، والتذوق الحسي للعوالم التي تحرك فيها الشعر .
وتحركت ذهنية النص لترتقي بالأنثى وشعرها عن نظرة ذكورية ترهنها لإشارات نصها ،وجاء الترميز بنفي القيد ، عن طريق نفي الأساور والرضوخ لدلالة التزين ، فتقول :
أنا ما صنعت يوما لقلبي أساور
فكيف تنز حروفي أساور في كف أنثى
هنا تؤول العلاقة النمطية بين الذكورة والأنوثة إلى رمز يشير إلى التجمل ، إلى كون السوار قيدا ، وبالتالي رفض ذلك السوار، وأخذه دليلا على رفض التجمل بالشعر:
فكيف تنز حروفي أساور في كف أنثى
ويأتي قولها أيضا :
امرأة
من كلام
لو لمست الكلام
فض سر الغرام
امرأة من زجاج
لو لمست الزجاج
مات توت السياج
مجسدا في تجلي مقولات العيب، والشرف ، والعرض التي أنجبها حس السيطرة الذكورية في إحاطة المرأة بسياج من الزجاج ، فتؤول القيمة إلى المرأة في الكلام ، فيكون هتك الكلمة ، التلفظ بها ، وصولا إلى سر المرأة ، وفي هذه الحال نجد الترميز في هذا الأفق الذي اختزل المرأة في كلمة ، ليستدني أيضا هذه الحال من قابلية الكشف والتعرية ، حين يأتينا الرمز بالزجاج ، وما يستدعيه من رمزية التوت ، لتتداعى لدينا حالة العري وانكشاف الستر.
وقد هيأ هذا الأفق من الترميز للحال الذي تستنكره الأنثى إلى تشكيل رمز جديد ، يستدني عمق المرأة ، وبعد عالمها عن الكشف والهتك ، وامتلاكها لذلك الستر الذي يتعالى على التكهن الذكوري ، أو الانتهاك ، تقول :
امرأة
كالغدير
نبعها في يدي
سرها في المدى
نبضها في يدي
سره في المدى
وقد أخذ الترميز الكوني أبعاده في نص المرأة الشعري ؛فقد جعلت من وجودها مركزية في مسار الحياة ، فهي الخصب ، وهي المطر ، والطين ، والضوء ، ويطول بنا المدى لو رجنا نتتبع ذلك في نص المرأة ، لكن سنركز على نصوص شاعرة هيأت من ترميزها مسارا مختلفا لرموز الخصب في نص المرأة ؛ حيث استحضرت حركة هذا الرمز في رؤية حوارية ما بين النسق والاختلاف؛ حيث نجد عند الشاعرة أمل درويش في ديوانها ( سلام من قلب الماء ) الإصرار على التأكيد على الهوية الأنثوية ، والاشتغال على فتح منافذ البوح أمامها ، في لغة تتجاوز المباشر ، وترفع الهامشي والعابر في أفق الرؤية الفنية ، والإبداع المتجدد ، الذي لا يتوانى عن صهر الذات : قلقها ، ضجرها ، أمنياتها ، فرحها ، ابتهالها . . . في تشكيل يصنع وجودها من صوتها ، من توتر علاقتها مع محيطها وعالمها؛ فيظهر النص شاهدا على حوار خلاق ما بين النسق والاختلاف ــ على الرغم من جور النسق ــ ، ولما كان التشكيل الإبداعي يتعالى على المباشرة ، والتقريرية يأتي هذا الحوار مشكلا رموزه ، ومفرقا لها على مرايا متعددة .
في نص لها بعنوان ( تجارب ) (28)،يأتيك عنفوان الأنثى ومقاومتها للمحنة والانسحاق ، تقول في المقطع الأول :
سأثبت يدي المرتجفة
وأشد أوتار صوتي
وأطلق قوس الحق من حلقي
سهام اللاء
تصيب مقاتلهم
أهمش حسادي ، أحلهم
أصون حقي الأنثوي
أحتفظ بحق اللاء في حقلي
أقتلع أضراري
أجمعها محنا تمنح
أسحق خوفي
في شموخ
أسجد السجدة الأخيرة
ألبس أكفاني
ها أنا آتيه . .
رغم أنوفهم
سأقول
لا . . .
تظهر بؤرة النص هنا في رمز الرفض (لا ) ، الذي شكله النص في عالمه ، فأضحى سهاما ،قوسا ، حقا ، الكلمة الأخيرة .
كانت مواجهة النسق الذي يضيق منافذ الفعل ، والاختيار على الأنثى في التركيز على هذا الصوت ( لا) ، لكونه أول ممتلكات الأنثى ، والأقرب إليها ، فعلى الرغم من فراغه من الفعل ، استدنته الشاعرة ولجأت إليه ، وأخذت تقويه وتتقوى به ، ولذلك غادر الصوتية ليكون الفعل الذي ينهض في مواجهة النسق . ولهذا جاء من عالم هذا الصوت الفعل المقاوم ، فيه الثبات مقابل ما يحيق بالأنثى من إرجاف ،واستجماع القوة مقابل الضعف ، الحصول على قوى السهام والقوس ، الخروج من التهميش إلى تهميش المناوئين ، تحويل المحنة إلى منحة ، الشموخ حين مواجهة الموت .
يركز النص على الفعل المضارع المسند لتاء المتكلمة : سأثبت ، أشد ، أطلق ، أهمش، أصون ،أحتفظ . . . ، في إصرار على تأكيد الفعل الذي يتقوى ويستجمع قواه على قول ( لا ) ، ولم تكن (لا ) هذه لتخرج من المباشرة والتقريرية ، وعدامة الجدوى لولا هذا التنويع الفعلي الذي التأم عليها ، ولولا هذا الوجود الذي اكتسبته بسبب من القناعة بالحق الذي تعلنه ،ولولا هذا التشبث بها ، الذي جعلها وجودا مقابل الموت ، فكانت (لا ) الحياة بعد الموت
وقد اعتمد الاختلاف هنا النسق الجمالي للتعبير عن تجربته ، باستثماره الصور البلاغية ،( سهام اللاء تصيب مقاتلهم ) ،( وأطلق قوس الحق من حلقي ) واعتماده الجناس : الحق ، حلقي ، حقلي ، محنا ، تمنح ، وكذلك التورية :أحتفظ بحق اللاء في حقلي ؛ وذلك لأن النص الشعري هنا وإن سلك سبيل الاختلاف في اتخاذه نمط قصيدة النثر عوضا عن العمودية ، وعن التفعيلة ،والاختلاف في الرؤيا ، فقد توسل إلى قارئه بتقنيات النسق الجمالي في الأدب العربي ، ليواجه النسق المتسلط .إذ إنه وجد في طاقة اللغة قدرة على الاستدناء والبعد ،والقبول والرفض ، في تقليبات حركة اللغة ، وتسخير بنيات الكلمات: ما بين المنح والمحنة ، والحلق والحقل ،ثم ربط ذلك بالرفض (لا ) ، الذي يستدعي إليه صور انطلاق القوة التي تتلبس بالكلمة وسهامها حين تنطلق .
ومن الصوت الرافض للاستسلام ، الصانع من الرفض فعلا ننتقل إلى المقطع الثاني في تجربة أخرى ، تقول فيها :
حكيما
صار يشاطر أسراره
أغلقوا النافذة يقول
الحشرات . .
كل هذا الدم
تلتصق لتمتصه
أو تنقب
أمامك وخلفك
حفر مستمر
في رمال خصوصيتك
هنا نجد الصوت الأنثوي يتعالى على خصوصية الهوية ، ليلتصق بالهوية الإنسانية ، ولذلك يستقبل صوت الحكيم ، ويضع أمامنا مرآة ، من تجربة تتوخى حماية الخصوصية ، لكن الاحتباس خلف النافذة لن يجعل لهذه الخصوصية منعة ، فالحشرات تتجاوزها ، ويظل النص معايشا لهذا النيل،ومراقبا لحركته التي تغافل الإنسان عن يقظته ، يقول النص :
تدغدغك
كلام معسول
الحشرات . .
تسكر اليقظة
لم تعد من الخدر بعد
أنسيت روحك خلف النافذة ؟ ؟
وأنت تحترس
كان هذا المقطع مرآة لانتهاك الخصوصية ، ونشدانا للانفكاك من سدر المنعة الزائفة ،ولذلك اشتبك الهم الأنثوي الخاص بالهم العام ، في التيقظ لإطلاق قوى ذاتية تحفظ للذات خصوصيتها ، ليس بإغلاق النوافذ ، وإنما بإطلاق قوى يقظة فاعلة ، بين يدي الذات تستدعيها كل حين .
ويأتي المقطع الثالث آيبا إلى تجربة خاصة ، منسجمة مع المقطع الأول الذي يتكئ على الرفض الأنثوي ،ليعلن في آخره صوت الأنثى التي تحتفظ بحقها في الرفض وتعلنه ، حيث تقول في ختام المقطع :
تجارتهم لم تعقد نسبا معي
لأني تركتهم وانسكبت . .
وفي نص آخر تتجلى الرؤية الشعرية التي تتهجى العالم في ضوء قسمة التذكير والتأنيث ؛ فتتناسق مع النظرة التي تجعل المطر فعلا ذكوريا ، واستقبال تخصيبه من قبل الأرض فعلا أنثويا ، تقول في نص بعنوان ( أجواء يوم ماطر ) (29):
يضرب المطر بفأسه
وجه الأرض حينا
وحينا يحن كأم ترضع
تقف الأنوثة على قدميها
لتتهجى سطور الأرض
لكن الوجه الاختلافي هنا عدم ثبات هذا التقسيم ؛ فهناك تمازج بين الدورين ، وكأن النص جاء مستوحيا تقاسم الفعل المخصب للأنوثة مع الذكورة ؛فكما يكون المطر حينا يضرب بفأسه ،وحينا يكون كأم ؛ يأتي فعل الأنوثة حين تقف الأرض على قدميها ، وتقرأ العالم فيكون هذا التمازج :
وتقرأ على الملأ
وجوه الطين التي عشقتها الليالي
غلس الفجر الوالج
بأسمى آيات الصابرين
فما بين الزمن / الليالي ، والأرض /الطين عشق لا تحدد جهة الذكورة والأنوثة فيه.؛ ليسوغ بعد ذلك ، جعل الفجر ذا فعل ذكوري .
وهنا يبرز النص الشعري مجليا الحركة ما بين قطبي التذكير والتأنيث ، عبر الحوار ما بين حركتي النسق والاختلاف .
ومن شدة التصاق مخالفة النسق بالنص أن شاع تعبير " الخروج عن النص " ، وقد التقطت ذلك الشاعرة أشجان هندي في نص لها بعنوان " خروجا عن النص "(30) ، شكل فيه النص لذلك الخروج التحاما مع الخارجين على وقتهم ، والمواجهين له بالفسحة .. تقول في بدئه :
في مساء بليد يهيئني
لخروج عن النص مع الآخرين
ربما للتسوق ،
أو للنميمة ،
أو قتل بعض من الوقت؛
شاخ ،
وما عدت أحتاجه
لكنها تجد من تخرج إليهم ومعهم لا يجيدون فن الخروج عن النص ... وتجدل علاقة بين الخروج عن النص وتكبيل شعرها ؛ فتثير السخرية من المفارقة بين من يستعذب الخروج على النص ، ويعذب جزءا من جسده بلمه أو تضفيره ، فتضحك من ذلك نصيا فتقول :
فأزعم أني أؤدب سوء نواياه ؛
أجمعه بين كفي التي
أسير بها فجأة ؛
أتظاهر أني نسيت بأني بكفي أحاصره
ثم أضحك إذ ينطلق
ربما :
لأني أحب الخروج عن النص ؛
أو ربما : ... .
ومع جدلية التوافق والاختلاف تظهر تجربة الشاعرة أن التوافق مع الآخرين في الخروج عن النص لايحقق التميز ، فتقول :
في مساء بليد كهذا الذي أتحدث عنه
لا أكون تماما أنا
بل أكون ككل النصوص التي ،
قررت أن تكون ــ بلا أسف ـ
مثل كل النصوص
ربما !!
ولذلك تحتار للخروج لمن تأنس إليه ، وتريده حالا مختلفة عن تلك الحال مع الخارجين ، بل حالها هي وحدها :
ولكنني في المساء الذي،
أختار فيه الخروج إليك ؛
لا أكون مع الخارجين عن النص ؛
لا أكون سواي ،
ولذلك تكون في هذا المساء هي فقط ؛ كل وجودها حتى العطر هو منها ، ويكون الاختلاف في النص هنا هو الدخول إلى النص بأناقة من لا يخرجون عليه :
لمساء أهيئه لخروج معك ؛
أتعطر بي ،
ثم ألبس بأناقة من يدخلون إلى النص
في مساء كهذا الذي ،
ليتني أستطيع التحدث عنه ،
لا أكون سواي
في مساء كهذا الذي ،
أختار فيه الدخول إلى النص
وكأن هذا النص يشير إلى أن ولادة النص المتميز لها طقسها الخاص ، الذي لا يكون بمجرد موافقة الآخرين في تمردهم وخروجهم ، فالنص لا يصطبغ إلا بهوية صاحبه وصنعته .
وختاما فقد تجلى من خلال هذه الورقة مرواغة المرأة المبدعة النسق في الكتابة والإبداع ، فاخترقت حواجز التجهيل ، والمنع لأن تتعلم وتكتب ، ثم المرواغة في كتابة النص الشعري وتجلية العواطف ، التي كان المجتمع يستهجنها في شعر المرأة على الرغم من تمجيدها في شعر الرجل ، وحين كتبت المرأة الشعر ، ونشرته ، واحتفت به بعض الرموز الثقافية ، كان من المرواغة أن يهادن هذا النص النسق ، فسار على الشكل العمودي ، وفي مسار الرؤية الذكورية ، ومع ذلك كانت المرواغة في حال اشتغال مستمر لتظفر بالاختلاف ، الذي أظهره نص المرأة الشعري ، وجسد ذلك الاختلاف غاية شعرية ، وشكل رموزه ورؤيته الشعرية المختلفة ،وهيأ من كل ذلك عالما شعريا ، شكل صنيعا شعريا له صبغته الخاصة في التمرد وصياغة علاقة الذات الشعرية بعالمها.
الهوامش والإحالات :
(1) صحيفة الجزيرة السعودية ، الثلاثاء 22جمادى الأولى 1400هـ ، 8إبريل 1980م ، عدد 2809
(2)الجزيرة لعدد3334،الثلاثاء 22/12/ 1401هـ
(3) الجزيرة ، العدد 3327، الثلاثاء ،15/12/1401هـ
(4) ( كانت الشاعرة تعي معاناتها مع الاسم المستعار ، وأرادت أن تكسبه وجودا شعريا ، ولذلك عندما غيرت اسمها إلى غيداء قالت :
كتبت كفي أناشيد الهوىالعذري في رحلة عامين
قصيرين كما الأحلام تمضي
بين وجه الماء والشمس القتيلة
غجرية .. تلتحف عشق الحكايات القديمة
تكتب الأشعار في صدق النبوءات
وأبناء القبيلة 0 ( الجزيرة ع3334 في 22/12/1401هـ )
(5) أبو خالد ، فوزية ، إلى متى يختطفونك ليلة العرس ( بيروت ، دار العودة ،1973م )75،76
(6) السابق ، 76
(7) الوهيبي ، فاطمة ، المكان والجسد والقصيدة المواجهة وتجليات الذات ( المركز الثقافي العربي ، الدارالبيضاء ، بيروت ،الطبعة الأولى ، 2005م ،36
(8) القنيعير ،حسناء ،إشكالية المرأة والكتابة (ندوة نسائية ) ، قوافل ، نادي الرياض الأدبي ،م2 ع4 رمضان 1415هـ ،1995م ،93
(9) قاري ، لطيفة ، هديل العشب والمطر ، ( دار المدى ، دمشق ،2001م ) ،60
(10) السابق :59،60
(11)مطري ، نجلاء ،الزمن في الشعر النسوي السعودي المعاصر" دراسة في الدلالة والبناء " رسالة ضمن متطلبات درحة الماجستير ، جامعة ام القرى ،1427هـ /2007م ،366
(12) بقشان ، لؤلؤ ، أبجدية الصمت ، 1995م
(13) بقشان ، لؤلؤ ، ثرثرة البوح الصامت ،الرياض ،1410هـ
(14) بقشان ، لؤلؤ ، أبجدية الصمت ،247
(15) السابق ، 247
(16) السابق ،247
( 17) السابق :251
(18)العريض ، عبور القفار فرادى ، (نادي الطائف الأدبي ،1414هـ)،31
(19) السابق ،31
(20) السابق ،32
(21) السابق،33
(22) درويش ، أمل ، سلام من قلب الماء ( فراديس ، البحرين ، 2007م ) ،62
(23) غاصب ، زينب ، نص بعنوان (امرأة جميلة ) ، لدى الباحث
(24) سبقت الإشارة إلى مصدر هذا النص .
(25) القرشي ، عالي ، نص المرأة من الحكاية إلى كتابة التأويل ( دار المدى ، دمشق ،200م ) ،55
(26) سعيد ، فائزة ، صانع الوردة ( دار النمير ، دمشق ، 2007م ) ،238
(27) قاري ، لطيفة ،لؤلؤة المساء الصعب ( مؤسسة الانتشار العربي ، الطبعة الأولى ،1998م )،12،13
(28) درويش ، أمل ، ديوانها السابق ،54
(29) السابق ،92
(30) هندي ، أشجان ،نص مخطوط لدى الباحث نشر في عدد من الدوريات .