بحوث الطاقة والتشكيل في تجربة محمد الثبيتي الشعرية
الطاقة والتشكيل في تجربة محمد الثبيتي الشعرية
د / عالي سرحان القرشي
مساء الجمعة الموافق 10 صفر 1432هـ المصادف 14 يناير 2011م ، رحل في مكة الله محمد الثبيتي ، نسأل الله له المغفرة والرحمة ، وأن يلهم آله وذويه الصبر والسلوان ، وعزاء الثقافة فيه أنه ترك لها نصه ،وإنجازه الشعري ، على مستوى القصيدة العربية ، فاستكنه نصه تحولاتها ، وأضاءها برؤيته ، وطريقة تشكيله للنص .
وكان نادي الطائف الأدبي قد أقام حفل وفاء وتكريم للشاعر في مسقط رأسه ب (بني سعد) ، بحضور عدد من أقاربه ومحبيه ، وقد قدمت ورقة في هذا الملتقى ضمن الأوراق التي قدمت من قبل د / عائض الثبيتي ، والأستاذ محمد العباس ، وقد تلوت ذلك بكتابة مقالات عن المناسبة ، أردت أن تتسع للحديث عن تجربة محمد الثبيتي عبر جريدة الرياض ، وشاءت إرادة الله أن يرحل محمد الثبيتي وهذه المقالات لم تكتمل ، وقد رأيت أن تكون فاتحة هذا الكتاب عن محمد الثبيتي رحمه الله ، بعد اكتمالها .
كان مساء الاحتفال بتكريم الشاعر مختلفا في بني سعد ؛ حيث كان الجميع أمام الوفاء لقامة شعرية لها اسمها في مدونة الشعر الحديث ، ولها تميزها في لغته التي استوقفت الباحثين والدارسين ؛ كان الجميع أمام تجربة محمد الثبيتي ، هذا الشاعر الذي حمل لقب شاعر عكاظ ، قبل أي شاعر في العصر الحديث؛ وذلك إثر فوزه عام 1428هـ ، بهذا اللقب ، ذلك الفوز الذي جعل نص محمد الثبيتي المعادلة الصعبة في تقويم الفائز بجائزة شاعر عكاظ في المواسم التالية .
كانت ( بني سعد ) ، في حال استقبال للدهشة التي تتجدد في كل لقاء بمحمد الثبيتي ،وفي حال افتخار بهذا العلم الشعري الذي خرج من بين أظهرهم ، وقد فعل نادي الطائف الأدبي خيرا حين تحمل مسؤوليته الثقافية في إقامة هذا التواصل الثقافي ، بين الأرض وشاعرها ، وبين القوم وفخرهم، فكان هذا من عقد الصلة بن الجيل وثقافتهم ، وبين الجيل وتجربة شاعرهم ، وقد أسعدني أن قدمت ورقة في تلك الجلسة ، التي كنت فيها إلى جانب الصديق العزيز الدكتور عائض ضيف الله الثبيتي ، صديق الشاعر ورفيق طفولته ، الذي قدم رؤية حول النِشأة الأولى لشاعرنا ومثيراتها ،وتجذر الشاعرية في أجداده ، ورواية أمه للشعر ، وقصة لقائه بسعيد السريحي ، في أول الثمانينات،وبجانب الصديق العزيز محمد العباس الذي قدم رؤية حول تحولات المعنى الشعري عند الثبيتي ، وجدل الموضوعية مع الغنائية عنده ، والوقوف عند شيوع ألفاظ لها دلالتها في شعره ،مثل : الرمل ، النخل ، القصيدة ...
أما ورقتي التي قدمتها في ذلك المساء فقد قلت في بدئها :
في هذه الليلة الشاعرة التي نتحلق فيها حول تجربة الثبيتي الشعرية ، يعلو الصوت الشعري على كل صوت ، وتعلو فيها تجربته الشعرية العميقة الواسعة على كل مقاربة ، وقدر من يراود تجربة الثبيتي التطويح في مجالاتها ، دون الولوج إلى عمقها . لي أن أزعم أني باشرت الحديث عن هذه التجربة في محاضرة في نادي الطائف قبل ربع قرن ، ثم بعد ذلك في مناسبات مختلفة ، ومنها حديث عن تجربة أداة نقدية مع نصه ( موقف الرمال موقف الجناس ) قدمتها في مؤتمر النقد العاشر في جامعة اليرموك ، عام 2004 م ، وغيرها من محاضرات ، وكتابات ، وفي كل مرة تتجدد الرؤية في نص محمد الثبيتي .
ثم أتى حديثي الموجز عن تجربته الشعرية التي يسعدني أن أقدم لكم حديثا موسعا عنها ،ضمن محتويات هذا الكتاب الذي يشمل إلى جانب هذه الدراسة ،مقاربة لقصيدة "موقف الرمال ، موقف الجناس " المشار إليها أعلاه ،وتتبعا لتجربة الدرس النقدي مع نص الثبيتي .
الطاقة والتشكيل في تجربة محمد الثبيتي الشعرية
لنص محمد تجربة خاصة مع اللغة ومع الرؤيا يتجسد عنها التشكيل المتفرد للنص لديه ، ولكي نعبر بأذهاننا إلى اختزال عن بعض ما يمكن أن يجسده الحديث عن هذه التجربة ، سنحصر الحديث في :
الطاقة الشعرية عند ه
ظواهر في شعره
الطاقة الشعرية عنده :
من يتأمل تجربة الثبيتي الشعرية يجد أن خلف هذه التجربة طاقة واستعدادا يتمثل فيما يلي :
عمق الطاقة التخييلية واتساعها :
يحفل شعر محمد بمفردات النبوءة ، والعرافة ،والاستقصاء ، والاحتمال ، والقراءة ... ولقد شهر قوله :
جئت عرافا لهذا الرمل
أستقصي احتمالات السواد
وقوله :
هذه أولى القراءات
وهذا ورق التين يبوح
وقوله :
من شفاهي تقطر الشمس
وصمتي لغة شاهقة تتلو أسارير البلاد
وهذا ينبئ عن طاقة كاشفة ، توفر شعرها ووعيها على التأمل العميق والا ستشراف ؛ إذ يقف الثبيتي أمام كائناته الشعرية ،ليحمل منها الأسئلة ، وليحملها الكشف ، لنسمعه يقول في هذا النص المعنون ب( البشير) :
أنا خاتم الماثلين على النطع
هذا حسام الخطيئة يعبر خاصرتي
فأسلسل نبعا من النار يجري دما
في عروق العذارى
أنا آخر الموت
أول طفل تسور قامته
فرأى فلك التيه
والزمن المتحجر فيه
رأى بلدا من ضباب
وصحراء طاعنة في السراب
رأى زمنا أحمرا
ورأى مدنا مزق الطلق أحشاءها
وتقيح تحت أظافرها الماء
حتى أناخ لها النخل أعناقه
فأطال بها...واستطال
وأفرغ منها صديد الرمال
يهمنا من هذا النص ما نحن في صدد الإشارة إليه وهو الاستشراف ،فهذا الذي يعبر خاصرة الموت يؤول إلى طفل ، وكأنها الولادة الجديدة من رحم النطع ، ولذلك توازى في التعبير :
أنا آخر الموت
مع أول :
أول طفل تسور قامته
فكأن البشارة قادمة من رحم الموت ، تلك البشارة التي لا تتعرى عن الاحتمالات ؛ فتبقى في حيز النبوءة والاستشراف ، الممعن في التشاؤم ، وقتامة اللحظة ، ليقول بعد ذلك :
فرأى فلك التيه .... الخ
وتظل دائرة الاستشراف تداور شعر الثبيتي ، تتجدد لديه وتتكرر عبر استجابات مختلفة ، كأنها تتعالى على الموت:
مات ثم أناب
وعاد إلى منبع الطين معتمرا رأسه
الأزلي
تجرع كأس النبوءة
أوقد ليلا من الضوء
غادر نعليه مرتحلا في عيون المدينة
طاف بداخلها ألف عام
وأخرج أحشاءها للكلاب
وتجد بوابة الريح التي خرجت نصا مكتملا في آخر تجربة الثبيتي الشعرية ، تجدها لديه كانت احتمالا تنبؤيا في التضاريس ، في نص البابلي :
تدلى من الشجر المر..ثم استوى
عند بوابة الريح
أجهش :
بوابة الريح
بوابة الريح
بوابة الريح
فانبثق الماء من تحته غدقا،
كان يسكنه عطش للثرى
كان يسكنه عطش للقرى
كان بين القبور مكبا على وجهه
حين رف على رأسه شاهدان من الطير
دار الزمان
ودار الزمان
فحط على رأسه الطائران
ليكتب محمد بعد عقدين من هذا النص ، قصيدة ( بوابة الريح ) ،ويقول فيها :
والليل يعجب مني ثم يسألني بوابة الريح! ما بوابة الريح ؟
فقلت والسائل الليلي يرقبني
والود ما بيننا قبض من الريح
إليك عني فشعري وحي فاتنتي
فهي التي تبتلي وهي التي توحي
تجدد الطاقة :
الطاقة الشعرية عند محمد الثبيتي لا تعرف الاستقرار فهي ضوء كاشف ممعن في الإضاءة ، وكشف المسارب ، وتفتيق الرؤى،فحين يقول :
غدا .. يهطل الضوء
تهمي لياليك
يا أنت
يا كروان الشواطئ
يا وهج الحلم العبقري
غدا
يتوشح ليلك بالياسمين
وتنمو على شالك البدوي
حقول العنب
هذا النص الذي جاء في فترة مبكرة من تجربة الثبيتي الشعرية ، في نص (شهر زاد وتفاصيل الحلم ) ، تجد لحظة الاستشراف التي يحيل إليها النص ، الذي لا يتوقف عند اللحظة ، مما يجعل تعلق نص الثبيتي بالآتي ، والمستقبل .
وحين نقرأ في نص ( تهجيت حلما تهجيت وهما ) :
الطبول..الطبول
رقصة تنتشي في حدائي،طريق
المجرة يبدأ من داخلي
فامتزجت مع الرمل ..
صرت بذورا
وصرت جذورا
وصرت بخورا
نفذت إلى رئة اليم ...طافت برأسي
الخيول الأصيلة
نجد أن تجربة الامتزاج مع الرمل ولدت صيرورة جديدة ، لم تستقر على احتمال واحد ، فأصبحت تمثل في ( البذور ، الجذور ، البخور ) ، ليكون الاستيقاظ على عالم اليم ، الذي يوحي بالتجاوز ، والخيول الأصيلة التي توحي بالأمجاد والانتصارات
ولذلك فهو يولد من التجربة أخرى ، وحين نأتي إلى لفظة الطبول المكررة ، نجد أن اللفظة يتولد منها ما تنداح به التجربة ،ولذا ينشأ من عالم اللفظة عالم آخر..
وهذا يشير إلى أن مساحة التخيل الشعري تظل مفتوحة عند الثبيتي ؛ فالطاقة الشعرية عنده لا تقنع بما اقتنصت ؛ إذ يظل هذا المقتنص لديه يولد مقتنصات أخرى ، ومشتغلات أخرى من هذا الذي أصبح شعريا في نص فإذا به يولد نصا آخر .. وهذا الأمر يحمل وجها آخر فهو يبين أن مايقع عليه الثبيتي في مقتنصاته يحمل طاقة شعرية كامنة تظل تتوالد من هذا الكنز الشعري .
التمرد على اللحظة:
محمد الثبيتي لا تأسره اللحظة ، فلم يستوقفه شعريا جمال الفاتنات ، ولا دهشة الطبيعة ،ولا تبجيل الشخصيات ، وإنما تجد شعره مزيجا كونيا يمزج الرمل بالنبوءة ، وضوء التاريخ بقتامة الحاضر ، وفتنة الجسد بضوء الاستشراف ، فكل الشعراء يتشوقون للقاء المحبوبة ، ولكن لقاء الثبيتي بالمحبوبة يتسق مع رؤياه الشعرية التي تمزج العادي بالعميق ، والعابر بالكوني ، فهو يقول لمحبوبته :
أجئ إليك
مع الغيث أهمي
وأبذر بين جراحك اسمي
أشق إليك
هموم الحصاد
فإذا كانت مدونة الشعر العربي ، وخاصة التجربة الرومانسية التي كانت أصداؤها تتردد قبل تجربة جيل الثبيتي الشعرية ،تجد مساحة البوح الشعري في القلق والاشتياق إلى عالم المرأة ، والظفر باللقاء... فإن هذا اللقاء عند الثبيتي لا تأسره دواعيه ، ولا تحده مساحة الهروب التي يجد بديلها عند المرأة ؛ إذ يؤول ذلك الاشتياق إلى عالم من الفيوض والتجليات ، تمزج اللقاء بمفردات كونية متسعة ...فالحظ الغيث ، والحظ الرحم الذي يحتضن الاسم ، والحظ الحصاد ؛ لتشعر أن اللقاء عالم كوني ، وليس لقاء عشق ، ومراودة لحظة عابرة؛ ولهذا اتسق قوله هذا مع قوله عنها :
عرفت بأنك حالمة
تعشقين الوعود
عرفت بأنك عاصفة
تخزنين الرعود
عرفت بأن الصحاري
تخبئ في شفتيك
اللظى
والرحيق
ليتجلى في هذا اللقاء العواصف والرعود والصحاري ، فتخرج في لحظة الوصل إلى لحظة امتزاج كوني مع الوجود .
ولا شك أن مثل ما عرضنا له في هذه الطاقة والاستعداد جعل لتجربة سيد البيد ميدانا شعريا مختلفا ، أدهش متلقيه ؛ بل أدهش محمد الثبيتي نفسه ، في تلك المساحة التي استقبل بها نصه ، وفي تلك التأويلات التي منحت التجربة أبعادا لم تكن تتأتى لولا ما لمسه من تحرك بها وحركها في نصه المخبوء بالطاقة ، القادر على التوليد المتجدد المستمر . .وذلك أننا لمسنا منه في بعض المناسبات التي يتحدث فيها عن تجربته الشعرية ــ وهي قليلة ــ دهشته بل غضبه أحيانا مما ترامت إليه دلالات نصه .
ظواهر في لغته الشعرية
لا شك أن هذه الطاقة التي فجرت نص محمد الثبيتي ، استدعت بروز ظواهر لافتة في نصه ،نشير إليها فيما يلي .
كثافة اللغة الشعرية
حفل شعر الثبيتي بكثافة ، بلغ فيها وبها مستوى في مجموع شعره لا تجده في مجموع شاعر آخر ، وبهذا تعالت اللغة الشعرية لديه عن النثرية ، وعن استخدام روابطها ، مهما طال النص ، ومن نافلة القول ابتعادها عن المباشرة والتقريرية ، وكان من أسباب ذلك ما يلي :
جِدة الصورة :
الصورة بمختلف ألوانها لدى محمد الثبيتي تحمل من الجدة ما يدخلها في عالم الدهشة ،ويجعلها في حال تشبع بما تثيره من محمولات ، تتعالى على تحديد دلالي ضيق تسكن فيه ؛ ففي قوله :
يحرق العشق وجهي ، أثمل
من نكهة النار ،
في رئتي يلتقي زمن الفرح المتجهم
والانتظار
تسللت من حلكات السؤال
العقيم
توضأت في غيمة خرجت من غدائر ليلى
نجد الإحساس بوطأة الشوق والحنين قد اختلف مكانه المألوف في خارطة الشعر العربي ، فلا نجد القلب ، والحنايا ، والصدر ، بل نجد الوجه يحترق ، وهذا التحول جسد كثافة لغوية تظل تنمو حول هذا الوجود الجديد للعلاقة بين الوجه والعشق ،فتحضر كافة الدلائل ، من طرف الأعين ، وسمات التشوق ، والحزن الشفيف التي منحها (يحرق العشق وجهي ) وجودا متحركا وفعالا في لغة جديدة ، تحمل أبعادا دلالية جديدة .
وكذلك قوله ( تسللت من حلكات السؤال العقيم )، لتقرأ في ضوء حلكة السؤال وجودا جديدا للسؤال ؛ تشعر فيه بفاعلية السؤال التي كانت ، والمآل الذي آل إليه ، فآل من الضوء والكشف والاستبصار إلى ظلمة وحلك ، وآلت الولادة منه إلى عقم ، كل ذلك حمله نمط العلاقة الجديد بين السؤال والحلكة والعقم ؛ لنظفر بالولادة التي تأبت على التلاشي والانتهاء ، تأبت على العقم ، فتسللت من ظلام العقم ، لتفجر طاقات الوجود الجديد .
وفي قوله ( توضأت في غيمة خرجت من غدائر ليلى ) ؛ نجد الإحالة إلى الطهر ، والماء ، وفيض الصلاة ، والعالم الكوني الممتزج بالمحبوبة ؛ مما يجعل هذه الصورة مكتنزة بفيض من الدلالات ، وعالم من الاحتمالات ؛ تجعل النص في حال جدة ودهشة يتجدد مع التلقي ، عبر هذه الكثافة اللغوية ، التي تخلقت من جدة الصورة ، التي جعلت الغيمة ليست مجرد سحاب يهمي فيسقي الأرض ، ويخصبها ، بل آلت لدى الشاعر إلى فضاء يعانق فيه الوجود وفعل الحياة ، وأضحى منشأ هذه الغيمة من رؤية لعلاقة جديدة ما بين محبوبته وعالم الكون ،مما يجعل الذات وما تتماس معه في حال وجود متجدد ، يعمر الوجود ، ويصنع الدهشة .
تحريك الرمز بحمولات إرادة الشاعر:
وهذا ما يحقق لنص الثبيتي كثافة لغوية تتجدد عبر القراءة المتجددة لرموزه التي يشكلها ؛ ففي نص ( أيا دار عبلة عمت صباحا ) ، تجد حضور عنترة العبسي ، وفروسية العربي ، وعشقه ، وقصائد الأطلال ، عبر هذا العنوان الذي خلق للنص سياقا مكتنزا بالدلالات، وحين تستمع إلى قوله بعد ذلك :
غريق بليل الهزائم سيفي
ورمحي جريح
ومهري على شاطئ الزمن العربي
يلوك العنان
تجد أن تحريك هذا الرمز في أفق عنترة وعبلة جعل النص محملا بدلالات رحلة هذا الرمز وامتداده التاريخي ؛ فأضحى في الزمن الحاضر ؛ فمن سبح أكمة في الأجواء من الزمن الجاهلي ، إلى ساحل عربي تمزقه النزاعات الطائفية ، والتهديد الخارجي ، مما يجعل الذات تصدح بما تحمله من جراح وآلام ، كأن جرح الذات العربية اليوم هو ذلك الجرح الغائر في زمنها ، يوم أن جرح عنترة في إنسانيته ، فانتفض ثائرا لكرامته ، محتضنا شهامته ،فلا فرق بين هذه الذات وعنترة حين تقول :
أعانق في جسدي شبحا
مثخنا بالجراح
ومرثية للكمي الذي ضاع من يده
الصولجان
يستحسن الحديث هنا عن رمز أخرى مثل معن ، السنباد ، ذو القرنين
التعويل على الاحتمال :
تظل أحلام الشاعر وأمانيه مفتوحة على الاحتمال ؛ إذ إنه كما سبقت الإشارة يظل في حال استشراف ، واستدعاء للنبوءة ؛ ولذلك تجد مساحة المدى الاحتمالي الذي يمنحه لرموزه الشعرية ، ويستدعيه منها ؛ مما يجعل نصه مكتنزا بكثافة الدلالة النابعة من اتساع فضاء الاحتمال ؛ لنستمع إلى قوله :
هيه يا عنقاء
يا بعثا جديدا وشبابا من لهيب
ورماد
هيه يا عنقاء
يابحرا غريقا تاه فيه السندباد
هيه يا عنقاء
هزي شجر الريحان ، يهمي شعرك
أمطار الشتاء
مزقي نهر البنفسج ، والعقي
وهج الدنان
واشرقي من لا مكان .. ولا زمان
فهذا الفضاء الاحتمالي الذي يعول عليه الشاعر بديلا لاختناق وضيق اللحظة ، يجعل نصه في دائرة الأفق الاحتمالي ، غير قابل لتحديد ضيق الدلالة ،مما يجعل الدلالة التي يوحي بها الشاعر تتعاضد مع الأفق الواسع الذي انبثقت منه ، فهذه الساعة التي يستدعيها أصبحت لا تحدها التخوم ، ولا تحددها الأوقات ، حتى منبع ولادتها غير محدد ، فهي من البعث الجديد ، من شباب الرماد ، من بحر تاه فيه السندباد ... لتشرق من لا مكان ، ومن لا زمان .
السؤال المستمر :
القصيدة عند محمد الثبيتي سؤال مستمر ؛ فتأمل نصه يشي – بتأكيد –
بالبحث عن الأفق الذي يظل محتملاً، ما إن يبلغ منه وهدة حتى يجد في السير،ويبحث عن أفق آخر، ولذلك جاء نصه " بوابة الريح " من آخر أعماله مفصحاً عن هذا القلق :
قصائدي أينما ينتابني قلقي ومنزلي حيثما ألقي مفاتيحي
والقلق في الشعرــ ياسادة ــ يختلف عن القلق حين نعبر في مجالات أخر ،
ذلك لأنه هنا إشارة إلى اختلاف النص ، واحتمال المراد ، وحمولات اللغة الشعرية بالأسى وعدم القرار؛ تلك الأمور التي تكوٍن مناط الشعرية الجديدة. وصاحب ذلك اختلاف مرئيات الشاعر ، وإعلان ذلك في نصوصه،إذ إنه في غمار بحثه المستمر عن الأفق المنشود،لا ينخدع بما هو قار وماثل ،تلوح له الآمال، فيزور عن صدقها ، ويشكو بريقها:
أرأيت إذ تمتد أعناق الرفاق
إلى المحاق
يلوح في أقصى الظلام
يرونه برقا. . وأنت ترى بريقا ( الأعمال الكاملة ص51)
نظرة اختلفت ، تاه بها القلق عن يقين الآخرين ، وجاء النص يحمل حرارة السؤال ، وبثه في الآخر ، أضحى هذا القلق الذي هو مناط قصيدة الشاعر ،يحمل قلقا في النص ، فلم يعد أيضا يقينا ، أضحى يقيمه في دائرة السؤال " أرايت .." ليكون ذلك انفتاحا عن دائرة القلق الكبرى المعتمدة على نضوب العطاء ، والماء ، ووقوع الذات في أسى الحرمان :
فارتبتَ في الاوطان
" لا تحمي العليل من الردى "
وارتبتَ في الشطآن
" لا تشفي الغليل من الصدى "
فذهبت في بحر الجنون
عميقا
نعم كان الجنون مآل هذا الانكشاف عن اللاجدوى الذي حفرته مغامرة النص في جلاء القلق من الماثل ، والبحث المستمر عما وراءه ، وجاء مابين التنصيص يحمل رأيا وتقويما لهذا الماثل على طريقة الشعر القديم ، وكأن ذلك استشعار للسؤال الذي نهض به الشعر القديم .
وحين نعود إلى النص ، نجد الشاعر استعمر قدرا كبيرا من التجانس بين الحروف ؛ ليجسد الاختلاف الذي يمْثُل في مساحة التشكيل انبثاقا من الرؤية ؛ فقلقلة القاف ، والتصاق الكلمات بها في " أعناق ، الرفاق ، المحاق " ، وما دل عليه الصوت من امتداد بالألف ، يفضي إلى امتداد المساحة ،آل إلى "برق " ، و" بريق" ، إلى مساحة من الخيبة فيما بين "برق" كنز الخير وإشارته إلى "بريق " ضوء مخادع ، وكأنه يحمل أفق ما التصق في الكلمات الأولى إلى نهاية خادعة ،تجمل دلالة التلاشي كما هو الحال في كلمة "بريق " ومرادفاتها في الصوت " حريق ، بريق " ليؤول كل ذلك إلى بحر " عميق " في الجنون .
ومن أجل هذه الرحلة مع القصيدة وأسئلتها كانت القصيدة عند الثبيتي تتأبى على الارتهان لزمن محدد ، وبحر محدد ، فكانت قرينة الدهر ، والليل ، والبحر ، لا يستقر عمقها إلا في هذه الأعماق .
للقصيدة بحر طويل
وليل طويل
ونهر طويل . ص68
وكان سؤال القصيدة عند الثبيتي طاقة شعرية منها تنبعث القصيدة ، وإليها تؤول ، وفي حنايا المسير إليها تجلى قلق الشعرية ، وحركة التجربة ، وتشكيلها للغة الحوار ، والمناجاة ، والأشواق ، وقد لا أضبف جديدا إذا قلت إن ذلك انداح على كل مشوق يناديه الشعر لديه ، فكانت القصيدة صنوا للمعشوقة في الانتظار وفي الفيض الذي تمنحه ؛فهو حين يقول مثلا:
أنا حلمك الذهبي ..أنا
أنا همك الأزلي ..أنا
أنا لحنك البدوي .. أنا
أنا فرح الدمع في مقلتيك
أنا وهج الوشم في وجنتيك
وأنت الشباب
وأنت السراب
وأنت العذاب
وأنت أنا ص161
فهذه القسمة للهم والفرح ودورات الزمن بقلقه وعذابه ما بين الذات وأنت يشي بالطاقة التي يبحث عنها في المنتظر ، وما يريد أن تتمخض به طاقات الذات الشاعرة ، ليكون الأمر في هذه القصيدة التي تتشكل وتحتضن قطبي المعادلة بين الذات وأنت ؛ ليكون الحضور الأخير ( وأنت أنا ) ، مجللا لخاتمة السؤال المستمر ، وراسما غاية له .
وهذا الذي أقوله هنا تجلى حديث الشاعر عنه ، ورسمه أفقا مشرعا ، وحركة حوار في نصه ( موقف الرمال ، موقف الجناس ) ، وهو ما سيكون موضوع حديثنا القادم .
امتزاج الذات والنص
الذات والنص عند محمد الثبيتي متلازمان وملتبسان ، أحدهما يتحرك من الآخر
ويفضي إليه ، وقد أفصحت تجربته الشعرية عن هذا التلازم ؛ بل وانبثقت منه :
يقول مخاطبا المعشوقة التي كثيرا ما تلتبس بكل ما ينشده،وقد يكون ملهمة القصيدة:
عرّيت أسمائي لديك
كتبت قصيدة
أجهشت باللحن اللذيذ
تشابكت في داخلي مدن ،صحار ضاجعتها
النار فابتردت بماء الغيث ص114 الأعمال الكاملة
أضحى النص جريانا في تكوين الذات ؛ فتكونت داخله عوالم نقل إلينا لحظة امتزاجه معها ، والتحول من النار إلى الابتراد بماء الغيث ؛ ليكون بعد ذلك نبت المطر ، ونبت القصيدة ، الذي يضئ الرمل ويشتعل للريح ، وهو الذات والنص ، ذات الثبيتي وشعره :
يا أيها الشجر البدائي ابتكر للطير أغصانا
وللأطفال فاكهة
أقم في الرمل ناقوسا طموحا
واشتعل للريح ص114
ولذلك يمتزج عالم النص الشعري عند الثبيتي بعالم الحلم ، وتظل تتردد بين العالمين ، عالم حلم ، وعالم نص يكوّن الحلم ويقرؤه ؛ وذلك كما في نص ( قراءة ) الذي يقول فيه :( الأعمال الكاملة115،116)
عرى مقلتي نوم بهي فأسدلت عليها
شغاف الحلم ، أوقدت مشكاة ،
رأيت نساء يحتسين الهوى العذري
من منبع الشمس ويغرسن في الطين رجالا.
هنا الحلم ، وهنا مكونات القصيدة ، قراءة حلم جاءت تكوينا لنص نرى عالمه الذي ينشئ عالما تنفتح صفحته على تأويل الرؤيا ؛ ولذلك ما إن تكون هذا العالم المرئي في الرؤيا حتى جاء النص يرسم مسار الذات :
مررت بوادي الخوف
أتلو كتاب الخوف
أطوي نهارا غامقا وأشيع الطيب
في قرية مأهولة بسواد الجوع ..
يا لسواد الجوع ران على الأرض وطالا .
أضحت الذات ذاتا كونية ، تحمل كتاب الخوف ، والقرية تتسامى لتكون قرية الأرض . . .هكذا هو نص الثبيتي يتفاعل مع الكوني ، ويسير في مجراته ؛ إذ القرية ليست قرية على خارطة الجغرافيا وإنما تنداح لتكون الأرض .وهنا تتجاوز الشاعرية خصوصية شاعر يقنع بأن يكون أنشودة على الشفاه، إلى شاعر يحمل الكتاب ويتلوه.
ومن هنا انتقل النص إلى التماس الحركة الكونية ، وتأويل تكوينها :
رأيت صباحا طافحا بالدم الصافي
وريحا تجوب الأرض ثم تسوي
حول مكة برديها وتلقي على الأرض
الرحالا
التقاء الزمن والإنسان والريح والأرض يتجسد أمامنا ؛ لينزوي ذلك في مكة ، وربما كان ذلك استثمارا لأحاديث عن انزواء الأرض وطيها ؛ فالصباح الزمن يبدأ ليكون اشتغالا كونيا ، والدم تطهير وولادة وانتقاض على الواقع يحضر هنا لكي يحقق الوجود الكوني المهيأ لفعل مكة ... لحظة حلم تحضر لدى الشاعر الذي تحتضنه مكة ؛ ليكون هو ومكة في أفق الرؤيا التي شكلها النص .
ثم يستيقظ النص على فعل الذات التحويلي إلى أفق البشرى ، والندى ، والفجر :
كلما أوغلت في صدر المدى
طفقت يمناي تهمي بالندى
أنثر الطلع على عري الثرى
وأحيل الرمل فجرا أمردا
وقد شغل نص الثبيتي الشعري بالتكوين النصي لذاته الشعرية ، تلك الذات التي يلازم تكوينها الشعر والنص ، ومفرداته من اللحن ، والموال ، والرقص ، والشوق ، والاشتعال ، والسفر ، واللغة ... ففي نص بعنوان ( فواصل من لحن بدوي قديم ) ( الأعمال الكاملة ص173)، يقول محمد :
مشرع كالسيف
وجه بدوي
من رياح الليل مولود
ومن طول السفر
الذات الحاضرة هنا هي الذات الشاعرة النصية ، ولذلك جاءت متلبسة بعالمها الشعري ،منه تبدأ وإليه تعود ، من ( رياح الليل ) ، هذا الرمز الشعري الذي شغل الثبيتي كثيرا ــ على نحو ما سلف القول ــ ،ومن طول السفر ، ليكونا عالمي تحول وإيحاء يشكل الذات ، ويشكل عالمها الواقع تحت رؤيا الشاعر وبصيرته ؛ ولذلك كان البدوي موغلا في عمق التاريخ ، منه يتشكل وإليه يؤول ؛ لتكون مسيرته على الصحراء خطوات الفاعل ، الذي يسكب على الرمل ماءه المخصب :
يزرع الرمل خطى ذات اشتعال
ورحيلا
وشعاعا من شذا الدهناء
موصول بألوان العشايا
وهلالا راقص اللون
على وجه المساء الطفل
لا ينوي الأفولا
الخطا ليست خطا ترسم أثرا فقط ، وإنما هي خطا مشتعلة ، تمتزج مع ما يستوحى من الدهناء على شكل شعاع ، يصبغ بلون العشايا لنجد أنفسنا مع هذا المشهد أمام حركة تشكيل موغلة في زمن التاريخ وأفقه ، بها الرقص ، ونية التحايل على نهاية الزمن ؛ ليصدق بعد ذلك القول بأن الذات التي أمامنا هي الذات الشاعرة التي تشكل كائناتها وزمنها وأفقها .
وعلى هذا جاء قول الشاعر بعد ذلك راسما تشكيل هذا الكائن الذي اصطبغ وجوده بما يشكله من نص ، وما يجسده فيه من عالم يتسامى إلى أفق عال من نسيج تكوينه ومن حيويته ، حين يقول :
رسم الشوق على أهدابه
لغة عليا
وعمرا مستحيلا
يتهادى شامخ الصوت
سماوي الهوى
تنهل الصحراء من عينيه
موال الصبا الليلي
واللحن الجميلا
نحن هنا أمام الفعل الشعري ( فعل النص ) ، الذي امتزجت به الذات ، أمام النص بكل مكوناته : لغته ، زمنه ،مصدره ،لحنه ،بل أصبحنا أمام مستقى للمنبع الصحراء الذي آل إلى مستق ، ينهل من هذا الوجود الشعري
التباس النص بعالمه :
يلتبس النص بعالمه عند محمد الثبيتي ؛ فهو لا يشكل مفردات نصه ، ثم يكتفي بحضور النص تعبيرا عن هذا التشكيل ؛ بل يصبح عالمه ملتصقا بالذات الشعرية التي تحركه ، ويظل العالم الشعري ذا قدرة على التهيؤ للتشكل في عالم الرؤيا ، وربما وقفت على شئ من ذلك في دراسة سابقة ، ويهمني ــ الآن ـ أن أقف معكم على أن متخيل الثبيتي يظل في حال اشتغال ، وتوليد في الفضاء الذي يبلغه ،ولذلك لا يكتفي بالتشكيل الجاهز لرموزه الشعرية ، فلو تأملنا نصه الذي كونه في ربيع تجربته الشعرية ( ليلة الحلم وتفاصيل العنقاء ) المؤرخ في رجب 1403هـ ،لوجدنا عالم الرؤيا الحافل بمفردات الحركة ، والتشكيل الجديد للعالم ، الذي أضاءت معالمه أفقا تلتقي به الرؤيا ، والمدينة ، والصحراء ، والليل ، والقمر ... إلى أن يتجلى المشهد عن رعب الزنجية الشقراء ،ونداء الدهشة ، وقلق التكوين يقول محمد :
كانت الرؤيا ربيعا من جحيم
ـ سندسي اللون ـ
مسفوحا على وجه المدينة
المدى يجهش بالأحلام
والجدران اشرأبت من على صدر المدى
الناري ،
كالبلور تمتد إلى جيد القمر
منذ البدء غادرنا المألوف ، اللون السندسي فارق إلف تداعياته من الاخضرار ، والارتباط بالجنة إلى أن أضحى من نبع الجحيم ، ومع هذا الجحيم فالرؤيا ربيع وسندس ، والامتداد إلى وجه القمر ، ذلك الكوكب الذي يمنح الأرض الضوء والبهجة ، لأن الرؤية الشعرية مختلفة ، ترى الاخضرار في عتو التشكل ، وفجاءة مسرح الرؤيا ، فالعتو والقلق والحيرة وجبروت التغيير يرى بمآله ، من مساحات التفاؤل التي يزرعها في لون السندس ، وحلاوة الأحلام ، وصفاء البلور .
نحن في هذا المشهد أمام تشكيل يجدل علاقات الحياة والمخاض والإفصاح عن تكوين جديد :
كان ماذا كان ؟
للبدر عقود من عقيق وجمان
كان للأرض مخاض وانتظار لحبيب
قد لا أضيف جديدا إذا قلت إن الثبيتي لا يدع المشهد صامتا ، ولا يظهر ذاته في مكان المتفرج بل يضعنا في أفق الحركة ، التي يحركها مثل مخرج مسرح ينسق ويوجه الحركة ، لنستمع له حين يقول عن المسرح بعد مشهد انتظار الأرض للولادة :
أغرق الضوء التفاصيل الصغيرة
شق أحشاء الثواني
كل شيء صخبت فيه السكينة
كل شيء كسرت أجفانه البهجة
حتى الجرح
والآلام
والأشيا الحزينة
نحن أمام لحظة التجلي والنور الذي سكب فوق الأرض ودخل في أحشاء الثواني ، ولعلك تتخيل حين تكون لحظات الزمن محشوة بالنور !!
هذا محمد الثبيتي حين يجدل علاقات العوالم ، لا يستسلم لهيئة المتكون ولا لعبوره ، بل يمزج علاقاتها في التشكل والحركة ؛ فيؤول هذا النور إلى نور كوني ، غطى المشهد بالسكينة والبهجة ( كل شيء كسرت أجفانه البهجة ) ، غرابة هذه الاستعارة ، وخروجها عن المألوف لا تستغرب في عالم هذه الرؤيا التي أطلت بنا على دهشة عالم جديد ؛ فالأجفان المفتوحة على أفق العذاب غاب عنها ودخلت في ظلام عنه ؛ لتستيقظ على النور ، كأن اللحظة الجديدة ، لحظة هذا الحلم ، لاتتوافق مع امتداد اللحظة السابقة فلا بد أن تكسر ؛ ليكون هذا الكسر قطيعة مع لحظة الماضي ، واستيقاظا بضوء البهجة على نورها ؛ ولذلك دخل في هذه الأشياء التي كسرت بنور البهجة ، الجرح ، والآلام ، وكل حزين ...
لم يكتف الشاعر بهذا المشهد النوراني ، بل داخل تفاصيله ، وأضاء تشكيله ؛ حين استضاء مساره جعله متشكلا من الصحراء ، يقول :
زورق يأتي من الصحراء ممشوقا كمارد
كشهاب فصلته الريح من قلب عطارد
ينبري كالهمس ، كالرؤيا ..
يحلق كالنعاس
جاء محمولا على موج الرمال
جاء منحوتا على ريح الشمال
لك أن تستحضر هذا المشهد الذي جللت آفاقه الأنوار مع هذا القادم ، مع هذه اللغة التي تستحضر وتغيب ، تقول بما ترى ، وتوحي بما لايرى ، فتأتي كلمات (ممشوقا كمارد ) ، ( كشهاب فصلته الريح ) تستحضر عنفوان هذا الحضور ، ثم تأتي كلمات ( كالهمس ) ــ ( كالرؤيا ) ــ ( يحلق كالنعاس ) ، تاركة للتلقي مدى واسعا تشتغل فيه البصيرة ، لتستحضر وتهدئ من جبروت هذا القادم ، فالشهاب ، والمارد ، أصبح في عالم النور في رقة الهمس ، وشوق الرؤيا ، ولطف النعاس ورحمته ؛ لينكشف قادم المشهد عن :
فيه من رائحة الفردوس أسرار مضيئة
ومصابيح جريئة
فيه نهر من رحيق لا يزول
فيه أطفال وأشباح وخوف وذهول
هذا القادم من روح الجنة ، فيه قوام الحياة السعيدة ، حتى مع حضور مفردات ( الخوف ــ الأشباح ــ الذهول ) ، كأن هذه المفردات لا تحضر هنا إلا لتغيب في نور هذا المشهد الحالم ، أقول إن حضور هذه الكلمات جاء ليشي على حضور الذات الشاعرة التي لا تغيب في مسار التشكيل النصي ، بل تظل في حال وعي بالواقع الذي فر إليه هذا الحلم ، فراودت هذه الكلمات لحظة النور الطاغية وداخلتها في هذا الحلم ، كأنها جاءت من العقل الباطن الذي كانت حالة وعيه في لحظة هذا الحلم الذي يقول عنه :
فيه أصوات تقول
ليلة الحلم الطويلة
ليلة الحلم الجليلة
ألف عمر
ألف شهر
ألف ليلة
لتجيء لحظات زمن هذا الحلم غير مقيدة بقيود الزمن ؛ فتتماهى الليلة في جلالها وطولها في ألف عمر أو ألف شهر أو ألف ليلة.
وفي أفق الرؤيا المتفردة جاءت العنقاء التي شكلها في نصه ، على شكل لم يؤلف ، ولن أعيد هنا الجدل في مقولة ( رنجية شقراء ) ، لكن احتفظ للشاعر بتكوينه ، واحتفظ له أيضا برأيه بوصفه متلقيا في هذا التشكيل ؛ لأجاوز ذلك إلى القول الذي يمزج فيه بين الذات والمخاطب في القلق والانتظار والسؤال ، حين يقول :
( قلق الفيروز في عينيك يا عنقاء
سر لا يقال
قلق الفيروز في عينيك
شيء من بقايا الوحي . .
من ذعر الرمال )
ثم يتسامى إلى أفق عال من نسيج تكوينه ومن حيويته ، حين يقول :
رسم الشوق على أهدابه
لغة عليا
وعمرا مستحيلا
يتهادى شامخ الصوت
سماوي الهوى
تنهل الصحراء من عينيه
موال الصبا الليلي
واللحن الجميلا
نحن هنا أمام الفعل الشعري ( فعل النص ) ، الذي امتزجت به الذات ، أمام النص بكل مكوناته : لغته ، زمنه ،مصدره ،لحنه ،بل أصبحنا أمام مستقى للمنبع الصحراء الذي آل إلى مستق ، ينهل من هذا الوجود الشعري .