تاريخ النشر: 2001/03/29
الكتابة والحكاية
من ورق الخزانة إلى نشيد الخسران
عالي القرشي
ما يصنعه الشعر في الذائقة العربية يختلف باختلاف الشعراء, ويستنبت ذائقته الخاصة من مهاد القلق والضجر اليومي الذي غلب على مشهد الحياة العربية.. وإذا كانت الصفحة الشعرية العربية تقابلنا يوميا بمشاهد شعرية من ذلك الحقل, فإن تلك الصفحة أحيانا تؤول بذلك الوجع إلى فضاءات من الجمال الخلاق الذي يحيل الحزن إلى مثير وبلسم للجراح في تلك التراكيب الشعرية التي تضفر الألم, وتجدل المأساة مع التعلق بدهشة الحلم ولذة المعاناة.
لقد دلف الشاعر العربي المعاصر بشعره وبقارئه إلى بوابات الحزن, ومشارف اليأس, فأمطر المشهد الشعري بوابل من صيب الأمل, وبشظايا من قاذفات الرعب, ونشر في الملأ مساحات التوجع, وآهات الانكسار... ولنضرب لذلك بأمثلة ثلاثة لشعراء مختلفي الأقطار, وهم من الشعراء الذين رضعوا جراحات الشعر العربي, فأصدروا عنها, ووضعونا تحت سياط وجعها.. إذ ساروا في فلك التيار الشعري الذي صنعته المأساة واصطنع آلامها.. فهناك محمد وحيد علي الذي يقول:
وإذا انكسرت
فأي أغنية
يرتلها السحاب؟!
نزلت إلى كفيك دالية الغروب
وبعثرت فيك العصافير الخجولة
واستوت في راحتيك!..
لكأن حلمك في السنين
سحابة
تنأى
فتتبعها وحيدا
كالفراشة
ثم تدخل في السراب
وكأن جرحك وردة
عبقت بخاتمة الغياب...
وا هبط إلى شرك القصيدة
كالغزال...
"ديوانه, توق الشاعر: 75, 76"
وهناك نادر هدى الذي يقول:
مدينتي تتعرى
أتسكع منفردا
الجنون كأسي
مدينة الأضواء ينحرها الظلام
لا شيء إلا الشرفات عارية
ماذا تبقى أيها الفتى
تجر عرباتك, تغازل البحر
إنها المسرة متكئة على ما يفجعها
"ديوانه: حبر العتمة ص 51"
وهذا علي الحازمي يقول:
على عتبة الليل
ينتظرون مرور المساء الأخير
عيونهم اكتحلت بالأسى
في دروب الخطيئة ينسون أنفسهم عنوة
حيث تحسبهم من لهيب التغرب
عن أمنيات لهم خلف دروب الزمان
سكارى وماهم كذلك
لكن وقع الحقيقة أقسى على برعم
في ربيع عيونهم
لم يشاءوا على الجرح ترك
خطاهم على أول الدرب مسلوبة
حيث ظلوا بعيدين عن زهر أيامهم
واستراحوا إلى غربة أورقت
في صدورهم بالضنى
"ديوانه: خسران ص 65, 66"
فمع الشعراء الثلاثة يدخل الشعر إلى فضاءات مثقلة بقسوة الأحياء, ورعونة الألم,وتظل كلمة الشاعر مغردة مثل العصفور السجين, لكن الشاعر لا يرضى لكلمته عن المأساة أن تكون مأساة, يريد ان يفتح كلمة الأسى على بوابات الجمال. والقصيدة, والحلم.. يريد ان يشعل كلماته بحلاوة الروح وبجمال الإبداع, وبطاقة التخيل الفاعلة, فكأن القصيدة تطلق الكلمة من سدرها, وتحرر الروح من مأساتها, وتفتح بكلمة المأساة وجها آخر لفعل الروح, تعانق به الأسى فيؤول إلى وردة مثل ما يقول محمد وحيد:
لقد حرك هذا الشاعر الأسى والدموع وآهات الحزن ونثره في تكوين السحابة, فإذا القصيدة الحزن أغنية من ترتيل السحاب, وإذا القبض على تلك اللغة حركة رشاقة وجمال تنتقل من المأساة إلى المأساة ليكون الحلم الشريد سحابة, والجرح وردة لينعتق كل ذلك في فتنة القصيدة...
وإذا كان محمد وحيد بحكم انغماسه في تجربة الشعر, وبسبب من إيمانه بقدرة الشعر على استقطار الجمال من الأسى, فإن نادر هدى قد استسلم لجرعة اليأس, وفجيعة الحزن, اما علي الحازمي فقد أراد لكلمة الشعر أن تقرأ علاقة الإنسان بالمأساة, وأن يجعل نتوءات الزمن وما تفعله في الذوات تفسيرا لتلك الحركات والأحوال التي يتشظى فيها الأنسان ويتغرب, فبعد كلماته السابقة نجده يقول:
هكذا يصنع الخاسرون من العمر
عند انتهاء المطاف بهم
حيث لا وجهة للممر الأخير أمام المساء
لأنهم اقتسموا كل شيء
ولم يبق لهم من نبيذ الكلام كلام
فيحتكمون إليه
"ديوانه: خسران ص 66"
وتجد الشعر هنا يفتح صفحة عبور الأسى ليوقفها جمالا, وليقف عليها قراءة للواعج الذات, وفي الوقت ذاته صفحة وقوف على الحال تقرأ الذات والزمن, وتقرأ الذات والألم.
وتقرع الذات والسدر, فتستريح إلى توجيه القول إلى أولئك الذين لم يمعنوا في دهاليز ليلهم, ولم يبحثوا عن الأسى لأحلامهم, على نحو ما يقول الحازمي:
لذلك لم يكترث ليلهم بالصراخ
الذي كان يصدر عن ذكريات لهم
خلف باب الحياة
وكم كان أسمى لأحلامهم
أن تظل على ورق
في الخزانة
"ديوانه: خسران ص 66". نشر بتاريخ 04-01-2009 |