* كنا قد أشرنا فيما سبق الى مظاهر الحكاية في العقل الانساني، وسنستكمل ذلك في حديثنا هذا اليوم عن استثمار الحكاية للتقريب والتعليم، ثم الاشارة الى المظاهر العامة لحكائية اللغة.
* الحكاية فضاء للتقريب والتعليم:
لقد أدت الصياغة الحكائية للعقل الانساني، ان يتلقى الانسان الخبر والتجربة في فضاء حكائي يحفل بالتتابع، ويحفل بحلقات الفضاء الزمني.. ولذلك كانت الجهود الانسانية لتقريب الافكار، ولتعليم الانسان تلجأ لذلك وتستثمره.. فتجد الافكار تعرض بصياغة تأخذ من الحكاية طريقها الذي يستضيء المعالم ويجوس مفاوز ما يريد تقريبه بالطريقة الحكائية التي تقيم فعلاً على فعل، وترسم تخيلاً لفعل، وتقرب نتيجة لفعل.. كما هو شأننا الآن في هذه الفقرة التي وإن كانت بعيدة عن عالم السرد الحكائي المتجلي في الحكاية إلا انها تتخذ الى اذهانكم وتأملاتكم طريق الحكاية.. حيث لا استغني عن ان ابني على معطى سابق، ولا أستغني عن توجيه تخيلاتكم وتأملاتكم الى نتيجة تالية.. فقد بدأت بالاشارة الى هذه الحكاية التي اتعبتكم بها، ثم بالاشارة الى لوازم تؤدي الى نتائج.. ثم الاشارة الى نتائج تستثير في اذهانكم استقبالاً لحكايات ينسجها خيالكم حول هذه الفكرة، وحول متابعة نقيض متوقع لها، او مثيل لها، او علامات استفهام حولها.. حيث صاغ هذا العرض في اذهانكم التأملية حكاية لربط هذا القول بما لديكم من تصورات، وصاغ كذلك متابعة لبنائه..
ومن هنا أزعم ان ذلك البناء الذي الفنا ابعاده عن عالم الحكاية بما كنا نجعله من اسوار للحكاية تجعلها في الموضع الذي يسرد قصة او خبراً او حكاية عجيبة.. واقصد به البناء المنطقي.. أزعم ان هذا البناء ما هو إلا تجل آخر من تجليات الحكاية ،حيث يستحضر تنامي العلائق، وتدرج الاسباب، والاتجاه بكل ذلك الى مآل يستنبته التخيل، ويسعى بشتات الدلالات اليه...
واذا بحثنا لذلك عن تطبيق آخر لذلك، فإنا نجده في البلاغة العربية حين تحاول تقريب فعل المبدع في الاستعارة حيث تحكي ذلك في حكاية نتابعها حين نستمع لتأويلها فمثلاً يقال في قول "أرى أسوداً تتأهب لقطع لسان هذا الخطاب" اشبه الذين يتهيأون للحوار والمناقشة بالأسود بجامع الجرأة في كل، ثم حذف المشبه وأبقى المشبه به على سبيل الاستعارة التصريحية.. حيث نجد اننا هنا استمعنا الى حكاية، لهذه الحركة الابداعية، تأتي عبر ما استقر عليه حكيها في النمط العام لرواية هذه الحكاية..
وقس على ذلك ما يقال في التجارب العلمية...
* حكائية اللغة:
وهنا تتجه المسألة الى بعد آخر، يقود هذه الابعاد ويتأثر بها، ويحمل هواجس الانسان وحدسه الحكائي ألا وهو اللغة.. ذلك ان اللغة مناط حمل رؤية الانسان للاشياء وعلائقها.. ففي أي كلمة في اللغة محمولات لدلالات كثيرة، وفي أقل تركيب لغوي تجد مكمن حكاية اصبحت تجوس في عقل المتلقي، فحين استقبلتم عنوان هذا الموضوع "الانسان والحكاية" فقد استثار في اذهانكم حكايات ابتداء من دلالات الانسان/ الحكاية.. حيث حضر في اذهانكم مسألة الانسان، وحمله للحكاية، وحكاية الخلق والموجودات له، واسئلته المستمرة عن ذلك.. وعلاقة ذلك بالانسان، وكونه طاقة تخييلية عاقلة، تمحص، وتتأمل، وتتأول، وما يطرأ في الذهن ايضاً من عوالم الحكايات، وعلاقة الكتابة بالحكاية، ومسيرة ذلك في الرواية الشفاهية، ثم في كتابة السرد، وكتابة الرواية... ونتيجة لذلك اتجهت اذهانكم الى مسألة حكائية حملتها اللغة...
ومثل ذلك من الممكن ان يقال فيما تثيره الدلالات اللغوية من اختلاف دلالة عن دلالة، فكلمة بيت في أي سياق تثير حكاية يختلف بها بيت النحل عن بيت الرجل، وبيت الرجل/ داره عن بيته/ زوجه، وبيت الشعر عن بيت القصيد.. فنستطيع ان نقول:
إن الكلمات مراكب يبحر عبرها الذهن في ترسم معالم العوالم التي ترشد اليها.. لأن الانسان يعيش باللغة التي تحكيه للاخرين، وتحكي الاخر اليه، فيعيش سابحاً على مركب الحكاية يهتدي بالكلمات الى مفاوزه، ويؤول بتناثر الحكايات الى علاقة تعصم شتات ذاته من التمزق والذوبان... وكما كانت في الانسان النزعة نحو التوحيد ،وربط المسببات بالأسباب ، والبحث عن سبب الوجود.. كان تفكيره الذي حملته اللغة، حاملاً لذلك البحث عن القطب والمركز، حيث كانت الدلالات اللغوية تتحول بحكايتها المختلفة الى جوامع وملتقيات.. كما هو الحال في علائق الدلالات بالجذر اللغوي للكلمة.. وكان الاعراب في اللغة حاملاً لتلك الحكايات التي تقرن فعلاً بفعل، واستخباراً بخبر حين نعرب مثلاً "جاء زيد" أو "زيد جاء" ولقد جاءت تقسيمات الفعل الانساني في اللغة حاملة لسباحة الانسان المستمرة في حكاية الوجود، وفي علاقة فعله بالزمن عبر لحظات الزمن فأصبح الفعل الانساني حكاية مضت "فعل ماض" او حكاية حاضرة او مستقبلية "فعل مضارع" او طلب القيام بحكاية "فعل أمر".
وبعد هذا المدى الذي اخذتكم حكاياتكم المتوالدة في اذهانكم عن حكايتنا مع الحكاية نجد ان الحكاية فعل انساني استثمره الانسان لصياغة وجوده الحكائي في ظل الحكاية الكبرى التي يدفن وهو يتكون في حلقاتها.
وقد كانت الحكاية تفسيراً وتأويلاً يتلقاه عن الأشياء، وتفسيراً وتأويلاً يقدمه كذلك للوجود والاشياء.. فكان الانسان حلقة مستمرة في صياغة الحكاية وتلقيها..
ومن هنا اتجهت مناشط الانسان لصياغة حكايته عبر اعماله التي يتركها آثاراً ومقروءات، وعبر ما يرسمه من تخيل.. وعبر ما يجد فيه ذاته حين يبدع الحكاية في قوالبها الأدبية.
نسج : ـ نَسَجَ الثَّوْبَ يَنْسِجُه ويَنْسُجُه، فهو نَسَّاجٌ، وصَنْعَتُه: النِّساجَةُ،
ـ والمَوْضِعُ: مَنْسَجٌ ومَنْسِجٌ،
ـ وـ الكلامَ: لَخَّصَهُ وزَوَّرَهُ. وكمِنْبَرٍ: أداةٌ يُمَدُّ عليها الثَّوْبُ لِيُنْسَجَ،
ـ وـ من الفَرَسِ: أسْفَلُ من حارِكِهِ، و ''هو نَسِيجُ وحْدِهِ '' : لا نَظيرَ له في العلمِ وغَيرِهِ، وذلك لأِنَّ الثَّوْبَ إذا كان رَفيعاً لم يُنْسَجْ على مِنْوالِهِ غيرُه.
ـ وناقَةٌ نَسُوجٌ: لا يَضْطَرِبُ عليها الحِمْلُ، أو التي تُقَدِّمُه إلى كاهِلِها لشدَّةِ سَيْرِها.
ـ ونَسْجُ الرِّيحِ الرَّبْعَ: أن يَتَعاوَرَهُ رِيحانِ طُولاً وعَرْضاً.
ـ والنَّسَّاجُ: الزَّرَّادُ، والكَذَّابُ.
ـ والنُّسُجُ، بضمَّتين: السَّجَّاداتُ.