الكتابة والحكاية من معضلة التجنيس إلى آفاق التأويل قراءة في رواية "خاتم" لرجاء عالم ـ1ـ
* في نص رجاء عالم، يقع القارئ المقارب في اشكالية، إذا أراد لقراءته ان تجاوز الوصف، ذلك ان فعل المقارب هو فعل استنطاق وتأويل.. وفعل الكاتبة ليس سردا روائيا يقف عند تسلسل حركة الفعل الانساني في الظاهر، بل هو استبطان لذلك الفعل وتأويل له، وتشكيل للفعل السردي في حلقات ذلك التأويل حيث يتشكل السرد منه ويشكله في آن معا..
ولذلك يظل نص الكاتبة في حجاب عن فعل المتأول.. حيث ان الكتابة حيدت فعل المتأول بفعل تلك التشكيلات التأويلية في نصها.. ولعل ذلك يكون واحدا من الأسباب التي تجعل مقاربات نصها قليلة.. اذا وضعنا في الاعتبار ذلك الكم من انتاجها، وذلك العالم والطريق المختلف في سردها، وعلى الرغم من رهافة هذا الموقف فاني سأعرض كتابتي هذه لطائلة مراودة حصون هذا النص.. لكي أفاتح المتابع بمسارات أنشأتها العلاقة التأويلية بيني وبين النص..
***
وينفرد نص "خاتم" باشكالية أخرى، اختلفت به عن نصوص رجاء في اعمالها السابقة.. ذلك أن هذا النص يحاول أن يوجد لمجاله السردي عالما تتحدد عناصره من شخصيات وأمكنة في مسميات قد تكون بديلة لمسميات مشهودة، مما غيب عن النص المسارات التي كانت تختلقها رواياتها السابقة في المزاوجة بين واقعية الكاتبة وبين عالم السرد، وبين التاريخ المدون والتاريخ المسرود، وبين الشخصيات المشهودة والشخصيات الأسطورية.
وقد جعل هذا الامر الطاقة التخييلية لدى الكاتبة تنداح في تحريك ثبات اللحظة لتمعن خلفها مستنطقة ومستنبئة.. فكان عالمها التأويلي يسير في عمق الظاهر المسرود.. وليس في السير وراء سرد تأويلي مواز للعالم المشهود..
وهذا امر لا يجعل فعل المقارب متابعا للعلاقات الناشئة بين العوامل المختلفة في السرد التي يختلف بها الواقع والخيال، والظاهر والباطن، وفعل الحركة السردية، وفعل الحركة التأويلية..
وإنما يجعل فعل المقارب في ذلك التأويل الممتد من ذلك العالم المشهود الذي استطار السرد من وقائعه الى عوالمه الغريبة.
***
وثالث هذه الاشكالات ان نص رجاء عالم يتسور داخل مسارب لفت الكاتبة السير فيها، وتشق الطريق عبرها الى عالم الخفاء.. منها:
* التاهي بين الحلم والحقيقة، مما يحجب عن المتابع اضطراد حركة الشخصية، وعدم يقينية من حال وقف عليها في هذه الشخصية.. ذلك ان حركة الشخصية تظل في حركة زئبقية بين البعد والقرب وبين الموت والحياة..
وتظل الحال المسرودة امامك تترد بين وقائع ألِف طريقها في عالم الحقائق ووقائع أخر جاءت من عالم الاستبطان وعالم الحلم.. فانداحت بالشخصية في ذلك العالم، فاذا بك تتابع الشخصية في وقائع يخلقها التهيؤ، ولحظات الحلم.. في حالة مسبوكة سرديا مع وقائع الحركة المألوفة فتظل في حال خلط بين العالمين.
* إن الكاتبة تتعمد ان تستنطق شخصياتها، وان تتقرأ ما لم يره الآخرون.. فلذلك يطل هذا النص يتدفق ويمنح قارئه ما كفت اللغة المألوفة عن منحه، ليفيض بما خلف ذلك من عوالم الخفاء التي تحق في تشكيلها وتكويناتها الشخصيات السردية.. فتظل تقرأ سريان النغم، وحفيف الحركة، ولهاث النفس، وقشعريرة الدهشة، ووخز الألم تقرأ ذلك في الحركة المتكونة بين الشخصية وعالمها..
ولابد لك ان تتابع الشخصية المهنية في قراءة لعالمها وصنائعها تستبطن تأويلا لاصول الاشياء واعماقها، ومآل حركتها.. ولذلك تظل المتابعة والقراءة منقادة لتلك الاسرار التي تستجليها الكاتبة، ولتلك المجاهل التي تدخل بقارئها فيها..
* إن الكاتبة تتماهى مع شخصياتها التي كونتها بهذا الشكل، فيظل نصها ممعنا في الالتفاف على شخصياتها، وفي تجسيد الجسور عليها، وتحصين الحصون على ذلك العالم الخفي الذي يتشكل منه عالمها.. فيكون خارج عالم الكاتبة "وهو الفضاء القرائي الذي يجذب ذرات تكويناتها" مثيلا ومشابها لخارج الشخصيات السردية، فتظل العلاقة بين الكاتبة والقارئ مشحونة بذلك التوتر بين عالم شخصياتها، وفضاء تلك الشخصيات، على نحو ما يتجلى ذلك في تعالى بعض الشخصيات على فهم الآخرين.. وسخرية الآخرين منها.
* ان الكاتبة مأخوذة بعقد العلائق بين الاشياء ليس عبر الروابط المألوفة، وانما عبر عرى يخلقها النص، ومن ذلك عرى اللغة.. التي تجعل للحدث جريانا يتدفق من خلال حركة اللغة، فتجد السيل يسيل بالأحداث، ويسيل بالماء، ويسيل بالتوقعات، ويفيض بما يغمر حركة الناس والاحياء، وتجد المفتاح يتحرك من مفتاح حي لقفل البيت الى مفتاح معنوي للأسرار.
وتقود عرى اللغة الى كل كمون تخفيه اللغة، وإلى كل نبوءة تفتحها اللغة... فمن رجفة الماء الحسية في بركة ماء الى ارتجاج للماء يقرأ فيه الطالع، وينذر فيه بالاضطراب والحرب..
ولا شك ان هذه العرى تفتح فضاءات وتغلق آخر.. وقد يكون ما تفتحه يقود حركة النص الى فتح مسامات اللغة لترشيح النص، وبنيته، واحداثه بما يفتح حدوده، ويسافر بابعاده في فضاء الرؤية والتأويل.
***
ولعل القارئ يدرك ـ الآن ـ أن هذه الاشكالات تميس باغراءاتها لمنازلة النص، حيث ان كل إشكال يجعل للمكاشفة سبيلا للملمة متناثرات تأويلية، وسبيلا لمتابعة علائق مفتوحة للتشكل، لا تنتهي لأنها تظل منفتحة مع تجدد حركة العلاقة بين القارئ والنص.