الكتابة والحكاية من معضلة التجنيس إلى آفاق التأويل قراءة في رواية (خاتم) لرجاء عالم
* ولا يخفي السرد احتجاج "خاتم" على انصياع الانوثة للذكورة، ففي ليلة عرس ابنة جيرانهم، قال الراوية عن "خاتم": "... كل جسدها تاق لاختراق الصفوف، وحمل تلك القمرية بين ذراعيها، والفرار بها للاسطح.." ص
124.ويجعلها ذلك ترغب وتنفذ تلك الليلة التعري من ثياب الانثى "في الطريق ألقت بمحرمتها وصديريتها، وتاقت لثوب من بياض الرجال يلمها... ارادت التعري من ثوب الانثى ذاك القت اثوب..." ص 124، 125، ويبلغ التأفف من الانوثة والضجر من علاقة الذكورة بها الى ان تتصور ذلك مذبحا للانثى "كانت على يقين من ان بنت الجيران قد سيقت الليلة، وتحت انظار الجميع لمذبح.."ص 125وكان ذلك النفور من التأنيث فيها هو الذي يخترق بهجة المتحدثين عن العرس "انقضى سابع العرس، وحين اجتمعت النسوة في خارجة البيت يسترجعن بهجة العرس، قاطعتهن خاتم (لن ادع رجلا يذبحني على ريكة..." ص
125.وتمضي في ذلك التعالي على التجنيس في الزواج، وفي الصوت، وفي الثوب "مالت البنت الولد للصمت.. صارت تفتش عن صوت او ثوب اعمق من هذا الصوت والجسد القابلين للتحريف بثياب انثى او ذكر..." ص
126.* * *
بعد هذا نستطيع ان نقول: ان تجنيس خاتم الروائي كان حركة حية لفكرة الانوثة والذكورة.. تحمل نظرة السياق الثقافي، وفي الوقت ذاته تحمل في اختراقات تجنيس خاتم، وفي فعلها، وفي هواجسها النقد الثقافي لذلك الانقسام الاجتماعي، الذي امتد بفعل تيار تلك الحركة الى نقد الانساق الاجتماعية، حيث كانت حركة السرد متتبعة لذلك في حركة تجوس الاتجاهات المختلفة.. لتستبطن الصلات المجهولة.. وتقطع حدود القواطع المزيفة...
ولقد جاء ذلك النقاش في د ار "تحفة" عن الذكور والانوثة، وعن الارادة الاجتماعية وسطوتها على الانسان مجسدا هذه الحركة وباثاً تأويلا حمله عقل "زرباب" اشعرتنا الساردة فيه بتعاليه على فهم من حولها... تقول زرباب "بنت في ثوب ولد، خاتم انسان ومثلما خطفونا من اهلنا خطفوه من جسده" ص 140.وهنا يأتي التأكيد على حالة التشابه والتماثل بين حالين، حال الخطف من الاهل، وحال الخطف من الجسد... فكأن عدم الاستقرار على حالة التجنيس لخاتم مساويا لحالة الانفصال عن الاهل، وحالة الضياع التي يعيشها هؤلاء البنات في دار "تحفة"... ثم اخذت تؤكد "زرباب" على ذلك الضياع في جسد خاتم الذي يساوي ضياع الاصل، وضياع الحسب والنسب، ويعني انفصال الجسد عن لغته، ذلك ان استقرار الجسد في وضع معين يعني تحركه بلغة معينة يستقر عليها فهم المجتمع، وتجاوزه لذلك يعني دخوله في نسق الزيف.. الا اذا استطاع ان يمتلك لغة خاصة يتجاوز فيه ذلك الانفصال الى اللحن الكامل... تقول زرباب "نقلوه لجسد لا هو بالذكر ولا هو بالانثى" ص 140لكن خاتم ـ حسب قول "زرباب": "انقلب على الاثنين، لم يعد يعرف كيف يسترسل في وجه ويجمع، وهم ينقلونه في المناسبات التي تريد وجها نقيضا في كل لحظة" ص
..140.ويرتد عدم التجاوب مع هذا الحوار "... حين لم يعلق احد بقول او لمحة فهم او اهتمام" الى "زرباب" بالحنق حيث تسترسل باحثة عن لحن الكمال، ولغة ذلك الكمال في النفس الانسانية "كلنا ذكر وانثى، لكن المشكلة في الوقت.. متى يدوزن آلته؟ متى يلعبها لتشطح في لحن الانثى او بالعكس، متى تنفلت آلته لتعطي نفسها اللحن الكامل الذي تتحاور نغمة الذكر بنغمة الانثى في نفس الرنة..." ص
141.وهكذا نجد فكرة التجنيس، والتمرد عليها تأخذ حوارا مختلف الاتجاهات فهو هنا حوار احال لعبة التحايل على التجنيس الى قالب مخادع، وانه يندرج في سياق الفواصل الاجتماعية بين التذكير والتأنيث.. وان النفس الانسانية حين تجاوز ذلك تمضي في لغة الكمال التي تحوي النوعين.. كما يتجلى في لغة العود.. الذي يتجسد في اجابة الشيخة "تحفة" للسقا اليمني، حين سأل "بيأس: حرمة ولا رجال؟" حيث قالت الشيخة: "مالك علينا سؤال، نحن لا لنا في الطاس ولا في الراس، هو طالب عود ونحن طالبين طرب، لا عاشق ولا هيمان، وافقناه ووافق هوانا، كيف نجازيه؟ بالفضول!"
ويقف بنا السرد على استبطان الذات لهذه السياحة بين الجنسين، حيث تستبطن خاتم ذلك في لحظة انقطاع الى ذاتها، والى الصمت في لحظة من لحظات السرد التأملي الطويل الذي تأتي به الساردة اولا استبطانا لحالة خاتم خبرا عنها حين تقول "هنا إمام، على حنية جسد المحراب الغارقة في الغيب كان امام لا تعرف ما يقول" ص .232.نحن هنا امام لحظة استغراق في الصمت ولحظة استمتاع لما يقوله هذا الصمت الذي جسد التأمل في مرئياته في المحراب المهجور، وفي سمعة لحفيف الريح، وفي غوصة عمق التاريخ.. جسد حيوان تتكلم، وتوجه وتستبطن "كان يخطب في الصمت"... وفي لحظة الاستماع للصمت وتجهير الصامت، يأتي اسبتطان "خاتم" لجنسها الصامت كذلك، حيث تقول الساردة "غرقت خاتم في تلك الخطبة، وجاء جسدها يتكشف لها لاول مرة، تأملت في اعضائه الى معقل تلك الربط من حياد.." ص232، وتأتي الى هذا الانكشاف لتحار فيه "تحيرت اين تقوده، يوسعها الخروج من ذاك المحراب مباشرة للمسعى وسط الحوانيت تقف وتختن هذه الصورة التي ظلت تذبذب بها من ذكر لانثى، بوسعها الوقوف جرداء لتنتصب من جديد في جنس وحيد.." ص 232، 233.لكن ذلك الهجس بالتحديد لا يلبث ان يتراجع "لكن هذا الخوف من قفل الابواب يردها، ماذا لو انغلق الباب امامها، وتلك العوالم المخيفة التي لا تنفتح الا لجنس دون الآخر..." ص
233.ولا يلبث السرد ان يحيل تلك الحيرة التي يحكيها عنها الى خطاب لها مباشر، تخاطب ذلك العالم الصامت الذي تلتصق به في المسجد المهجور، وتستحضر فيه محاورا تفضي اليه بذبذبات حواسها واسرارها، فتقول وتبث من اضمار في الذات يستبطن ذلك الوجود الذي بدأ يتجسد لها، في تلك اللحظة المكاشفة لعالم الصمت، ولعالم السر "بسطت كامل حواسها لتلك الحلة في جسد المحراب، اضمرت: "حين يكون جسدك من صخر لا يعود يحفل بالانفعال والقوالب، قل لي كيف تختار صوتك كل صلاة؟ اي نبرة هي الريح: نبرة ذكر ام انثى؟ هي ايضا لا تحفل ما تكون؟ انا ايضا لا اريد ان احفل..." وكأن ذلك استيحاء من عالم الحجر الصامت الذي يستنطق السرد، على نحو يجاوز حالات التجنيس.. لتبقى في صمت عن التجنيس.. لكن استيحاءها يستحضر قلقا يراودها من ذلك التحديد فتقول "لكن هناك مفترق طرق يتقدم صوبي، انت جعلتني الآن اراه قادما، يريد ان يشق جسدي او يحملني على جناح، انا لا اريد ان اطير. اريد ان اغني، لو تبتعد المفارق عن طريقي...) ص 233ـ
234.ان السرد هنا يقف بنا على مواجهة التجنيس، يقف بنا على تمني خاتم ان يبتعد لذلك التوقيت، لئلا تحرم من عالم العود.. فكانت في غرة حوارها في ذلك العالم الصامت تقول "قل لها: تركني في عقدة الطرق" ص
234.وبعد ان ايقظ السرد هذه اللحظة الحوارية التأملية الاستيطانية من "خاتم" لجنسها في حوارها مع لحظة الصمت.. عاد السرد ليعلق على هذه اللحظة، ويطرد له عالمه.. ليقول ".. لم تعرف خاتم من اين تطلع تلك الحيرة، خوف تفجر فيها بغتة ومن لا مكان، لم تعاينه من قبل، لكنه اكتمل ويباغتها هنا في صلاة الصمت هذه" ص
234.وهكذا كان تجنيس خاتم حركة لحوار السرد بين الذكورة والانوثة.. قلّبه على حالات التلقي الاجتماعي له من اعزاز للذكورة وخوف عليها.. ومن انفتاح وحركة لها، من ارتهان للانوثة في عوالم محددة، وقلبه على حالات الاستيطان للتجنيس، من خلال قراءة الآخرين لهذه الحركة المتقلبة.. تلك القراءة التي نما فيها هاجس بمجاوزة ذلك التحديد في اللغة التي تعلو على ذلك في لغة العود، وما عضد ذلك من استبطان ذاتي لحالة التقلب هذه يحمل هاجس الارتياح لعالم الصمت عن التحديد، ويعضد اللغة التي تجاوز ذلك في لغة الكمال، في الصلاة، والريح...