الخاصية الحكائية في الانسان تجعل القول بـ "ان القصيدة حكاية" امراً يستثمر فضاء القصيدة قبل تجسيد كلماتها في قراءتها، وفي حكاية علاقاتها، حيث تغرينا تلك الحكائية بمتابعة لحظة التكثيف التي تختزلها القصيدة في كلماتها عن حكايات لعلاقات الانسان مع عالمة.. حيث تجيء تركيبات الشاعر الحكائية مفجرة للحظة صمته، وراسمة تأويلاته لحكايات العلاقات التي تختزلها كلماته.. إذ تبرر تلك الخاصية التأمل في متابعة الابعاد السابقة بقدر اشارات النص، وما يظهر فيه من فضاءات تأويلية للحظة التكثيف الشعري، لحظة انفجار الصمت التأملي إذ يظل الانسان في حالة تجاذب بينه وبين عالمه، حيث ينتج عن لحظة التجاذب هذه لحظات توتر تأتي من تلك السدود والموانع بينه وبين جواذبه.. ويظل يعايش نمو هذه الحكاية، حتى تأتي اللحظة التي تتمرد على الصمت فتسجل فواصل من هذه الحكاية تسجل ما التأم منها في ذاكرة الحاكي عن هذه العلاقة..
فلو تأملنا نص "قصائد" للشاعر خالد المعالي المنشور في العدد الثامن والعشرين من مجلة "نزوى" الصادرة عن مؤسسة عمان للصحافة والانباء والنشر والاعلان.. لوجدنا ان هذا النص يستثمر هذا الفضاء الحكائي، ويدلل عليه باشارات التاريخ المذيل بها كل مقطع من هذا النص، الذي عزم الشاعر على ان يرينا إياه كتلة واحدة، وان يرينا في الوقت ذاته هذا التاريخ الذي ترتد اليه نصوصه، وتتنامى به تلك الحركة الحكائية التي بقيت الكلمات والاشارات والصور دليلاً عليها.. يبدأ النص الاول بقوله:
اليوم، تكلمت الحياة الينا
نحن الذين هنا، نحن الذين
وصلنا قبل قليل
خلفنا وراءنا خيط الذكريات مقطوعاً
والنجوم، تلهث في الظهيرة الغائمة
يبدأ الشاعر بكلمة "اليوم"، جاعلاً اياها في حالة الظرفية.. منتزعاً هذا اليوم من زمن سالف، مصيخاً لحكاية بدأت تفرض حضورها، وتغادر صمتها، مشيراً الى ان هذه الحكاية ممتدة في حكاية سلفت.. وتأتي حكاية هذا اليوم لتقيم كلام الحياة.. مما يجعلنا امام حياة تبدأ.. تقوم على انقاض صمت بين الحياة وبين هؤلاء ليؤول ذلك الصمت في العالم المقابل للحياة وهو عالم الموت.. واذا بدأنا بالحياة مكان الموت فلابد ان تكبر الحكاية لأننا امام حالة تكوّن جديد، امام حالة صمت اطبقت على هؤلاء، فبدأت الحكاية تستجمع اطرافها لتبدأ من اولئك الذين اعارتهم الحياة اهتمامها، واعترفت بحياتهم، حين خاطبتهم.. فتبدأ الحكاية في تكوين حكاية هؤلاء فيأتي تعريفهم بضمير المتكلم "إلينا" ذلك الضمير.. الذي يقودنا تأمله في عالم الصمت السابق للكلام الى اننا امام وجود له حضوره في هذا الضمير "نا" ولكنه كان في عالم الصمت مما يستثير في الذهن هذه الحكاية التي تحيل اليها ذهنية النص وهي صمت هؤلاء، ووجود هؤلاء، وكيان هؤلاء.. فيبدأ احضار هؤلاء في الوجود في هذه الضمائر المتعاقبة..
في الوقت الذي تحيل ذهنية النص المتلقي الى عالم الصمت السابق لهذا الحضور.
"الينا، نحن الذين هنا، نحن الذين وصلنا قبل قليل" حيث لابد ان عالم الصمت الذي عاناه هؤلاء، والموات الذي اطبق عليهم حين هجرتهم الحياة.. استدعى انشاء حكاية الحضور الجديد بتعاقب الضمائر والاسم الموصول الذي يؤكد الضمير.. وبهذا الاستيعاب للمكان في اسم الاشارة "هنا" وفي الاستحواذ على هذه اللحظة التي جسدت وجودهم وكلامهم "قبل قليل". فكانت لحظة الكلام هذه طاوية لصفحة الصمت، ومخرجة من طيتها حكاية وجودهم، ومحدثة هذا الوجود الذي بدأ فعله في الزمن "وصلنا قبل قليل".
ثم يسترسل النص في الحكاية السابقة، التي لم تحيها وتأت بها إلا لحظة الحضور هذه، حيث هيأ هذا الحضور للذكريات لكي تأتي، حيث ان وجود الانسان مرتبط بحكايته وبارثه الوجودي.. فاصبح هذا الوجود الجديد يهيىء وجود حكاية الذكريات.. لكن هذه الذكريات لها حكاية مختلفة اذ تأتي هذه الذكريات مقطوعة.. بسبب من حالة الصمت، وحالة الموات التي مزقتها..
وتأتي جملة "والنجوم، تلهث في الظهيرة الغائمة" منشئة حياة في ذلك الصمت الكامن قبل اليوم بفعل حياة اليوم، حيث أتى كلام اليوم بالذكريات، التي لم تكن قد ماتت، وأتى بصورة التذكر في حالة الحياة في حالة اليقظة، في حال القدرة على مواجهة الصمت.. لتظهر ذلك التذكر الذي يشي بحكاية جديدة، بحياة اخرى منقلبة على الوجود، وعلى هيئته المألوفة لتحكي لنا عن "نجوم تلهث في ظهر غائم".. ثم تترك ذهنية النص ذلك الوجود المنقلب لماترك من ذكريات، ليأتي لنا الحكي عن ذلك.. مبتدئاً بذلك الضمير الذي يتبادل مع "نا"، ليكون محضراً الكيان كله بكلمة مستقلة "نحن":
نحن الذين سرنا طيلة العمر
وتوقفنا كثيراً عند نخل الطفولة
تكلمت الحياة إلينا
أرتنا الجدار من جديد
والأبواب المقفلة
ولنا لاحت الشمس من جديد
وهب الهواء خفيفا،
ولنا لاحت الاوهام في الفضاء
غير انا اسندنا، نحن الذين هنا،
رأسنا الى الحجر الملقى ونمنا
ارتدت ذهنية النص الى حكاية الماضي في هذا الحاضر، ليأتي في مسيرة الماضي التوقف عند "نخل الطفولة" (هذه الكلمة التي تحمل حكايات لدلالات مختلفة فإما النخل الذي تتذكره الطفولة.. او انه ذكريات الطفولة المثمرة) ليأتي من هذه الوقفة كلام الحياة لتنقلب بالحضور الى الذاكرة، والذاكرة الى حضور متكون ومتحدد في الجدار، والابواب المقفلة، والشمس.. ثم تنسج الكلمات علاقتهم مع الهيئة الجديدة بالعود الى ذلك الضمير الذي وصفناه في بدء النص "نحن الذين هنا".. ليوحي لنا بعد ذلك بحالة السدر في عالم الاحلام، وحالة التعب من اللهاث فلم يكد امام الضياع والتشرد إلا القول:
الصملاخ : ـ الصِّمْلاَخُ، بالكسر: داخِلُ خَرْقِ الأُذُنِ، ووسَخُهُ،
ـ كالصُّمْلوخِ.
ـ والصُّمَالِخُ، كعُلابِطٍ: اللَّبَنُ الخاثِرُ.
ـ والصُّمالِخِيُّ: السُّمالِخِيُّ.
ـ وصَمَالِيخُ النَّصيّ: ما رَقَّ من نَباتِ أصولِها.