يتكون نص هذه القصائد من عشرة مقاطع، كل مقطع مذيل بتاريخ، وهذا التاريخ يتناقص في كل مقطع من خلال فترة زمنية تجعل كل مقطع قبل الآخر بيومين، وأحياناً بثلاثة، وتتنامى هذه المسافة الزمنية إلى ثمانية عشر يوماً، ثم تتراجع، لتجاوز الثمانية عشر إلى ما ينيف عن الشهر..
ومع احتجاب كثير من الظروف التي أدت إلى ذلك إلا أننا نجد النص يحمل هذه المسافات الزمنية بإشارات تشير إلى ذلك المخاض الذي عايشه الزمن، وبقيت تخوم الكلمات تشير إلى فضاءاته، ففي المقطع الثاني يقول الشاعر:
يُدك التي مددتها
أعيدت بالإشارة
وطريقك الوهمي سلكته حافياً
رايتُك البيضاء منكسة
وعصاك تلوح
تلويحة وداع من الدنيا
هناك، استرحت
صرت زاداً للضواري
يبدأ هذا النص بجملة تختزل الحكاية، وتمعن في فتح فضاءاتها، يبدأ بجملة اسمية، تبدأ هذه الجملة بكلمة "يد" وتنتهي بخبر يحوي جملة فعلية (أعيدت..) تظهر "يد" هنا، ماثلة في ذهنية النص عن طريق كاف الخطاب "يدك"؛ فهي ليست غريبة عن هذه الذهنية، هي حاضرة في الخطاب، هي معرفة ومعروفة بهذا الخطاب .. هي يد المخاطب الذي يشير إلى حكاية غائبة، بدأنا نعايش نسيجها في ما أظهره النص لنا، لتأتي لنا جملة الصلة "التي مددتها"؛ مشيرة إلى فضاء حكائي لهذا المد، ليس لنا عنه إلا هذا الخبر، أما ما بعد ذلك: لماذا مدّها؟، ولمن؟، وبماذا؟ فإن ذلك سيبقى مخروصاً في ذهنية النص، ومنفتحاً من بين إشاراته.. ليأتي الخبر بعد ذلك "أعيدت بالإشارة".. هذه اليدُ تكفُّ، هذه اليد لا يقبل امتدادها، هذه اليد تعاد، وتأتي كلمة "الإشارة" لتجعلنا نعايش تلك الإعادة.. فنعايش حكاية لها تشير أن هذه "الإعادة" تمر عبر علاقة ليست علاقة المواجهة، فليس الرد من الممدودة له، بل هو بأمره.. أو بفحوى أمره، أو بفهم الآخرين لأمره.. أعادوا هذه اليد الممتدة بالإشارة، تلك الإشارة التي تشعرنا بحكاية الإهانة لهذه اليد، في ذلك البعد عنها، في ذلك الإيحاء الذي يحاصرها في فضاء الكون، ويطلب منها الابتعاد..
لكن النص بعد هذه الجملة ينفتح على حكاية صاحب هذه اليد في جمل تحكي، تبدأ بالإصرار على انتعال فضاء الكون، وذرعه.. وتنتهي بإظهار النهايات المغلقة لتلك البدايات السالكة:
وطريقك الوهمي سلكته حافياً
وبهذه الجملة نبتدئ في التحرك في فضاء أوسع من ذلك الفضاء الذي وضعتنا فيه الجملة السابقة، وإن كان هو الفضاء المغلق، حيث تتسع الحكاية في الانغلاق، وتتسع في الإشارة إلى الفضاءات التي أراد أن يبتدعها هذا المخاطب الظاهر في الحكاية... فنبتدي بـ"وطريقك" حيث جاء واو العطف .. محافظاً على وجودنا في نسق الحكاية، ومع ذلك المخاطب،ومنسقاً مع حركة النص في البدء من الحاضر، والعودة إلى الماضي، في تواريخه المتقادمة وفي العودة إلى البدء، بدء الحكاية التي أعيدت فيها اليد، لنعود إلى الطريق.. فتأتينا الحكاية بأن الطريق وهم، وأن لا عدة لسالكه، فهو يسلكه حافياً... ونجد في هذا الإلحاح على معاودة البداية كأن الحاكي (الشاعر) يريد أن يضعنا في حالة الإصرار التي كان يراودها هذا المحكي عنه، المسيرة الحافية، والراية البيضاء، بعد اليد الممدودة، ثم العصا التي تلوح .. ليجعل تلك المعالم التي يأخذها لمسيرته إن في المسيرة الحسية، وإن في المسافة إلى غاياته التي هي هدف المسار الحسي ترتد عن بلوغ مقاصده.. ليؤول ذلك الوقوف في سبيل مقاصده إلى الفاجعة إلى الموت.. الموت في الخلاء، في القفر، قبل أن يبلغ غاياته لتلتهمه "الضواري".
ثم يعود النص في المقطع الثالث ليتحدث عن "نا"، ذلك الضمير الذي رأيناه في المقطع الأول، ليحدث حكاية هؤلاء في غياب ذاك الذي التهمته الضواري... ليرسم مسارات لهؤلاء ولكنها مسارات ميتة وفارغة، حيث يقول في هذا المقطع:
منارات الطريق الكالحة
لم تعد تثير فينا إلا الزوغان
من هنا نسيرُ
يقودنا حكم العادة
كل شيء شاحب
حتى الرايات البيضاء
وكأننا قد رحلنا من هنا
وحل الفراغ
لتأتي حكايتهم مساوية لحكاية ذاك الذي سلك ولوح وحل في أفواه الضواري.. فهؤلاء راحلون من وجودهم والدنيا من حولهم فراغ..
ويتنامى الحوار بين الحالين في النص، لينتهي إلى مصير واحد يعبِّر عن يأس "نا"، كما يفصح عن ذلك في قوله:
لمن تريدنا هنا
ألا تكفي التهلكة مصيرُ كلابنا
نباحنا، إذ نحن ننبحُ
وهامتنا شجت بالأحجار واليقين
وما عاد جرحنا يندمل
... وهكذا نجد أننا أمام نص يستثمر نموه من ارتداده إلى حكاياته السالفة... وذلك لأن الحكاية قد ارتسمت معالمها في حالة المقطع الأول، ومن حكايته بدأ الجوس في حكايات المقاطع التالية، عبر الارتداد إليها، عبر التماهي في قراءتها، والإحساس بوطأة المستقبل المرسوم من ذلك الابتداء، الذي لا ينذر ببارقة أمل، أو تحول...
الغمد : ـ الغِمْدُ، بالكسر: جَفْنُ السَّيْفِ،
ـ كالغُمُدَّانِ، بضمَّتينِ والشَّدِّ،
ـ ج: أغْمادٌ وغُمودٌ،
ـ وبالفتح: مَصْدَرُ غَمَدَه يَغْمِدُه ويَغْمُدُه: جَعَلَه في الغِمْدِ، كأغْمَدَه.
ـ وغَمَدَ العُرْفُطُ غُموداً: اسْتَوْفَرَتْ خُصْلَتُه وَرَقاً حتى لا يُرى شَوْكُها،
ـ وـ الرَّكِيَّةُ: ذَهَبَ ماؤُها. وكفَرِحَ: كَثُرَ ماؤُها، أو قَلَّ، ضِدٌّ.
ـ وتَغَمَّدَه اللّهُ بِرَحْمَتِه: غَمَرَه بها،
ـ وـ فلاناً: سَتَرَ ما كان منه،
ـ كغَمَّدَه،
ـ وـ الإِناءَ: مَلأَهُ.
ـ واغْتَمَدَ اللَّيْلَ: دَخَلَ فيه.
ـ وأغْمَدَ الأَشْياءَ: أدْخَلَ بعضَها في بعضٍ.
ـ وبَرْكُ الغمادِ، مُثَلَّثَةَ الغَيْنِ، الفتحُ عن الفَراءِ: ع، أو هو أقْصى مَعْمورِ الأرضِ، عن ابنِ عُلَيْمٍ في ''الباهِرِ '' . وكعُثْمانَ: قَصْرٌ باليَمَنِ بَناه يَشْرُخُ بأربَعَةِ وجُوهٍ، أحْمَرَ وأبْيَضَ وأصْفَرَ وأخضَرَ، وبَنى داخِلَهُ قَصْراً بِسَبْعَةِ سُقوفٍ، بين كُلِّ سَقْفَيْنِ أربعونَ ذراعاً.
ـ والغامِدَةُ: البِئْرُ المُنْدَفِنَةُ، والسَّفينةُ المَشْحونَةُ،
ـ كالغامِدِ والآمِدِ، وبلا لامٍ: أبو قَبيلَةٍ يُنْسَبُ إليها الغامِدِيُّونَ، أو هو غامِدٌ، واسْمُهُ: عَمْرُو بنُ عبدِ اللّهِ، ولُقِّبَ به لإِصْلاحِه أمْراً كان بينَ قَوْمِه.