الكتابة والحكاية فضاء احتمالات الخطاب في ديوان 'هديل العشب والمطر' (2)
من الأمور التي لا تخطئها عين المتأمل في هذا الديوان حركية "المخاطَب" الذي يحضر في فضاء النص الشعري ساعة الانشاء والتكوين، ويلحمه النص مع تكويناته.. حيث يتجسد الخطاب في ذهنية النص تجسداً يرفعه عن ان يكون هامشياً (مجرد مركز لاتجاه الصوت)، فهو ليس من قبيل الخطاب الشعري الذي الفناه من شعراء التأوه والحنين، لان هذا المخاطب في النص يستحضر الآخر أو الذات التي تتجرد في الآخر.. فيكون هو فضاء الحنين، وفضاء الشكوى، وفضاء القلق، والضجر، وهو الذي يتوحد بالذات، وهو المعادل لها.. فهو المخاطَب المتحرك مع تكوينات النص.. ولعل ذلك يأتي من رغبة النص ـ المنشىء في السيطرة على ذلك المخاطَب.. وعدم اقامته في مركزية تسيطر على الخطاب، أو توجهه في غاية محور المخاطب.. حيث يأتي هذا التنوع، والتعدد للحيلولة دون مسار الخطاب في خط مباشر بين المخاطب والمخاطَب، وانما ليكون للخطاب حركته التي تفتح فضاء الحرية امام المتكلم في أن يبثّ، وان يستوحي، وان يجعل المخاطب يتحد معه أو يقوم مقامه..
يبدأ الديوان بنصّه الاول "السرب" والثاني "النقش على الهواء" مهملا هذا المخاطَب، في شكله الحضوري في النص بتوجيه الخطاب اليه، وان كان حاضراً ضمن فضاء التلقي الذي يستمع الخطاب.. حيث جاء كلام النص عن مشاهده، وعن اسئلته، وعن الذات.. في حال يتكون منه الوقوف على استنبات الهم، واستحضار القلق، واقامة الاسئلة حول المألوف والمرئي، وحول العابر والصغير، وحول التأملات الذاتية.. ليأتي اول استحضار لضمير المخاطب في الديوان في نص "الغرفة الخالية" النص الثالث في الديوان.. فما سر هذا الاقصاء إلى هذه اللحظة؟؟..
قد يكون ذلك متسقاً مع تحريك مركزية الخطاب، واشعار المخاطَب ببعثه من خطاب المتكلم، بحيث لا يكون المخاطَب مجال استعلام ومجال اجابة عن مجهول.. بل ليكن المخاطب منسوجاً من النصّ ومكوناً من لحمته، بحيث يتكون من لحمة الخطاب، ومن ذلك الاصغاء الذي اراده له المتكلم، حيث يستمع إلى ذلك الغائب المبثوث في النصين الاولين..
فكأن المخاطَب يتكون شيئاً فشيئاً في خطاب النص، الذي افصح عن الحكاية القبلية للنص، وللحكاية المتكونة فيه، فالحكاية المتكونة عبر النصين الاولين جسّدت حالة من التلقي تذعن للصغير، والعابر، وتلحم ذلك في حكاية عوالم المتكلم، وعوالم المتلقي، وفي العوالم الكونية، والعوالم المصيرية، فمن سرب الطيور إلى الارض إلى السماء إلى عالم النفي والقتل، والاستجارة من التشرد والتمزق ففي نص "السرب" نجد الذات التي تهيئ المتلقي للانصهار مع المُشَاهد والعابر، للانصهار من التكوين الشعري الذي لحم الذات بحكاية السرب، وبحكاية الرصيف، فحين تقول في سرد الحكاية:
وكيف يحتمل الرصيف المعذب أسرارهم
كُتب عليه ان يرتمي كالقتيل
وأن يبارك قاتله
وان يهيىء للسرب الغريب وجهته(ص7).
حيث يجد المتلقي نفسه امام رصيف مقتولا قتلا مباركاً يحتمل هذا السرب، ويكون منطلقاً له إلى فضاء السماء والأرض، لتئول تلك الحكاية إلى حاجة المتكلم لذلك الأفق الذي صنعه لهذا السراب.. حيث تؤول الحكاية بالذات إلى متمنية لهذا الانطلاق وهذا الرحب على يد أحد افراد هذا السرب الذي وقع قتيلا على ضلفة النافذة (ضلفة المتكلم)، ليرفع هذا المحاضر خلف النافذة ليفعل فعل الرصيف الذي سينقل السرب إلى أفق الحرية، والرحابة، والبحث المتجدد عن تجدد الوجود.. تقول:
وأنا ألملم ما يتساقط منهم
لأخرس أسئلتي
من أين جاؤوا؟
إلى أين هم ذاهبون (ص8)
كادت ان تغلق الستار على الحكاية، وصرحت بذلك قائلة:
أوشكت ان اترك النافذة
وأن أتسلى بقضم الفراغ (ص8)
ولكن الحكاية بدأت نسجاً جديداً، حين جاءت الذات بتأملها بوعيها لتكوّن من ذلك القتيل منصة انطلاق، ليكون مثل الرصيف الذي أطلق السرب إلى فرجة في السماء، لتنغمس الذات في الحكاية المسرودة، لترسم الفضاء الذي تريده في ذلك التحول الذي حول الذات، وحول المتلقي حين تركت ما أوشكت عليه، حين قالت:
حين حطّ على ضلفتي طائر ضل وجهته
وارتمى كالقتيل
فباركت قاتله
وتهيىء وقتي له (ص8)
ومن هنا نعاود قراءة النص في ضوء التكوين الجديد لذلك القتيل، وفي ضوء ذلك التحول من مشاهدة الخارج إلى تأمل الذات، لنكون امام جذوة جديدة تسري في المتلقي ليقرأ الحكاية، وينغمس فيها من جديد مع انغماس الذات في مكونات الحكاية..
وفي نص "النقش على الهواء" مزاوجة بين عوالم الانطلاق والحرية في القصيدة، في قراءة الرموز، في الاسئلة.. وبين عوالم الحصار.. فهي تقول:
كانت القصيدة رائعة ومثيرة
وكلماتها تدفعني برفق
إلى الزاوية الأكثر دفئاً
كانت شيئاً هلامياً
يتشكل كيفما تشاء اللحظة
لارقب شجر العالم
وهو في طور التكوين
وأجعل من أسئلتي مرايا
مرايا ص (9، 10)
ويأتي مواجهاً لهذه الحرية، وهذه الاثارة وهذا الانطلاق.. هذه الكآبة التي تفصح عنها في النص:
لا فائدة من كل هذا الوقت
انه يعني نافذة
ضلفتيها عبث
أفقها الرمادي يتشكل على هيئة مشنقة
يدفعني اليها ظمأ (ص 10)
لنخرج من هذا الحصار إلى غابة الكآبة في قولها:
إذا كان انعتاقي من مهرة تصهل
حيّ على فلاة وشمس حراما
لماذا يكون انتحاري حراما
لنعايش بعد ذلك أمنية الانطلاق والتحول من نوافذ الحصار إلى نوافذ الرؤية واشراق القصيدة.. حين تقول:
سفري اليها زمن
يتشكل في غفلة من جنون الينابيع
كل النوافذ تغدو ينابيع
حين تشرق
هي (ص 11)
لقد كانت هذه اجواء تهيئة وتكوين المتلقي الذي يتجسد في المخاطَب الذي سنكاشفه فيما بعد.