كثيراً ما نتحدث عن الأدب الذي يحمل رؤية أو قضية، وأن ليس عمق الإبداع في عمق أو جلال القضية.. ولكن ذلك يكمن في كيفية التعبير عن ذلك، وتحول ذلك القلق والهم إلى وجود نصوصي في النص.. وكانت المسائل الوجودية من الأمور التي راودها الإنسان بلغة الإبداع، وصهرها في تعبير الذات عن علاقتها بعالمها، ولذلك تجد الأطلال بما فيها من ضجر وجودي وقلق إنساني، كوّنت نصوصيتها المتجددة في الأدب الجاهلي.
وفي إبداع المرأة الحديث نجد المرأة تجاسر لغة الإبداع، وهي ـ اللغة ـ مسكونة بوجود الرجل الذي سيطر على التعبير الإنساني عبر تطاول الآماد والأزمان.. فكان أول العوائق التي واجهتها هو إثبات وجودها في هذه اللغة، فتجد العناوين التي تعنون بها المرأة إبداعاتها تجسد حضور المرأة الوجودي في هذا الفضاء، وفي موقع الخطاب التي تتوجه إليه، فسعاد الصباح تعنون بـ "فتافيت امرأة"، مؤكدة في هذا العموم وفي إيحاء الهوامش فعل المرأة، وارتقاء هوامشها إلى المتن والحضور.. وفي عنوان آخر نجدها تقيم المرأة فوق الحدود والنهايات حين تعنون بـ (امرأة بلا سواحل) وبديعة كاشغري تعنون بـ "شيء من طقوسي" مؤكدة بهذا العنوان الذي وسمت به ديوانها الصادر مؤخراً عن دار الكنوز الأدبية على حضور وجودها، وأن هذا الوجود هو الذي تقدم به حالها بكل طقوسها إلى القارئ.
وفي داخل النص النسائي تلمس هذا العائق وقد امتد بفضاء الإبداع في حوار إنساني يتسع للتأمل، والشكوى وإيجاد فضاءات البطولات التي تجاوز ذلك العائق إلى آماد الحرية الواسعة.. فسعاد الصباح تقول:
يقولون:
إن الكتابة إثم عظيم..
فلا تكتبي.
وأن الصلاة أمام الحروف.. حرامٌ
فلا تقربي
وأن مداد القصائد سمٌ..
فإياك ان تشربي
.. لقد أضحى هذا الهاجس الذي تستنبئه الأنثى من المقولات الاجتماعية راسماً لفضاء ركضها الإبداعي الذي يرسم حصون العوائق وجسورها، ويرسم الإبداع مخترقاً لهذه العوائق.. فهي القائلة:
وهأنذا
قد شربت كثيراً
فلم أتسمم بحبر الدواة على مكتبي
وينداح شعرها في التصور الذكوري لشعر المرأة، وقرن شعر المرأة بالغواية، ولا تجد إلاّ الإصرار مقاومة لهذا التصور الخاطئ:
يقولون:
إني كسرتُ بشعري جدار الفضيلة
وأن الرجال هم الشعراءء
فكيف ستولد شاعرة في القبيلة؟؟
واضحك من كل هذا الهراءء
وأسخر ممن يريدون في عصر حرب الكواكب..
وأد النساءء
لقد تناولت هذه المسألة بشيء من التفصيل في ندوة "عقدان من الإبداع" التي نظمها نادي القصيم الأدبي في الفترة من 20ـ 1422/12/23هـ وكانت إحدى المداخلات التي تقول إن هذه المسألة مبالغ فيها، وأن الأمر فيه تضخيم لهذه المسألة.. وقد فات من داخل بهذا الخصوص ان الأمر يتجاوز القشرة الظاهرة إلى استبطان المرأة المبدعة لهذا الأمر، ورؤيتها لهذا الجدار الذكوري الذي يقف حائلاً بين تصورنا للمرأة مبدعة، وحاملة أحاسيس الحب والوجدان في صوتها الأنثوي.. بسبب من تلك النظرة التي تقرن بين الأنثى وإبداعها، فتجعل المقروء من الأنثى حالاً محل الفتنة التي تسترها الأنثى.. ولهذا فإن شاعرة مثل سعاد الصباح التي نشرت وألقت من الشعر، واحتضنت من الإبداع ما احتضنت، ونالت ومنحت من الجوائز ما ندَّ عن الحصر.. نجدها تستحضر هذا الأمر ليس بفعل حيلولة خاصة دون إبداعها، وإنما تنظر الي الأمر في هذا العائق الاجتماعي الذي يتجسدُ أمام إبداع المرأة.. ولذلك تتساءل عن:
لماذا؟
يقيمون هذا الجدار الخرافي
بين الحقول وبين الشجر
وبين الغيوم وبين المطر
وما بين أنثى الغزال، وبين الذكر؟
فهي تقرن هذا الأمر إلى الحيلولة دون عطاء المسخرات لمكتنزاتها.. تقول:
يقولون:
إن الأديبات نوع غريبٌ
من العشب.. ترفضه الباديةء
وأن التي تكتب الشعر..
ليست سوى غانيةء!!
وهذا القلق الوجودي إزاء هذا العائق تحيله بديعة كاشغري إلى حكاية شعرية في نصها المعنون بـ "على قارعة الحياة" في ديوانها "شيء من طقوسي".. حيث يلفت في هذه الحكاية مسألة الوجود التي ترمي بها بطلة الحكاية كل حواجز الصمت دون كينونتها.. تقول في بدء النص:
في أوراق مفكرة مبعثرة
تجلس امرأة "تمسرح" تضاريس كيانها
على قارعة الحياة
فماذا تجد لتحكيه لهذا المسرح؟ الإجابة عندها حين تقول:
هي شظايا نساء قرينات
تجمعن في هيكل مأساتها
كمن يتكللُ بآثام دهره
على تل من كثبان ألم صموتء
لكن ذلك التشظي وذلك التمزق لم يكن ليعزلها وليحجبها عن الوقوف وحدها، لتؤكد وجودها في هذه الحكاية التي تستثمر فعل المرأة حتى لو فقد الأدوات، والأعوان، وتستنبئ طريق وجودها حين لا تستسلم لتمزقها وتظل في حالة بناء لوجودها حتى لو كان ذلك من ركام فتاتها الذي يؤول بالفعل إلى حالة سياج تحتمي به وتؤكد وجودها تقول: