عالي القرشي
* يحدثنا شوقي بزيع في ديوانه (فراديس الوحشة) عن شاعر يحرك جذوة نار الشعر، فيقول:
ليس الشعرٌ أن نبكي
على ما ضاع من فردوسنا،
قال لنا الشاعر:
بل أن نردم البرزخَ
بين الجسد المؤود والرؤيا
وأن نضرم تحت اللغة البكاء
نيران المجازء
ومضى ينحتُ من صلصاله
مملكة أخرى بحجم الروح
.. لقد أدخلنا الشاعر وهو يتحدث عن عالم الشعر في هذه العوالم المتجانسة من الشوق، ورعشة الحياة، ولقاء الذات بالكلمة، ودخولها في عماء الكلمة، عبر نار التركيب التي تشعلها المجازات المنصهرة والصاهرة لصمت الكلمات.. ليتشكل لنا ذلك العالم الذي يتراءى فيه العطش والري يمتزجان لينسجا عذاب الروح التي ضجرت من الصوت الصارخ، الذي آل بها إلى عالم الصمت فحنّت إلى الكلام، وجاءت لنا بوقود الكلمات لتمضي إلى مرام البرزخ بين الجسد المؤود والرؤيا.
وقد أدى تصور الشاعر العربي الحديث لذاته وهي تمزج اللغة وتصهرها أن يجعل ذاته تتمازج مع ذلك العالم.. على نحو ما يتجلى عند أدونيس حين يقول:
"أسكن في الأزهار والحجارة
أغيب
أستقصي
أرى
أموج
كالضوء"
إلى الحد الذي تصل معه الذات إلى الذوبان والتلاشي بحيث تكون خاضعة لخطاب الشاعر حين يقول:
لا الأمر أمرٌ
لا النهي نهيٌ
انسل دمك خيطاً
اتبعه
اعنف تحنن
اخترق
........
ومعاناة كشف حواجز اللغة، والنفاذ من حجبها التي تجلت في الإبداع العربي الحديث بهذا الشكل الذي يماهي بين موج اللغة وموج الذات أمرٌ صاولته لغة الشاعر حين أضحت في ماء اللغة مع مخاطبها ومع تكويناتها، منذ أن جرد الشاعر الحديث من عالمه تكوينات ذاته وقراءاتها.. فمحمد الثبيتي يقول:
يأبى دمي أن يستريح
تشده امرأة وريح
فرس تناصبني غوايات الرمال
كسرت حدود القيظ.. واتجهت شمال
فاهتز عرش الرمل وانثرت قوارير
فامتد صدري ساحلاً مراً
تنوء به تواريخ النخيل
.. لقد ابتعد الشاعر بتكويناته عن أن يكون غارقاً في المرئي إلى أن يكون سابحاً في المترائي، حيث تحرك العالم وتشكل من أرق الذات وقلقها ليؤول ذلك في عالم الشعر إلى موئل طمأنينة وسكون ، بل ومركز فعل لتهيئة جديدة من حركة الحلم والشهوة والصبر الجميل.
وإذا كان ما يقترفه الشاعر العربي الحديث في هذا الشأن يعني تحولاً في ذلك الهاجس الشعري العربي الذي كان يخاتل الأشياء والعلاقات بالاستعارة والكناية.. فإن البدايات النقدية التي حاولت مسايرة تلك العلاقات وسبر أغوارها كانت حديثاً آخر، ووجهاً مختلفاً من أوجه صياغة علاقة الذات باللغة.
ولقد كان لخطاب آخر في الثقافة العربية وقفات على هذه العلاقة تتمثل في كتب العشق، والوجد، وفي ذكر الصبابة والأشواق.
ولعل مقولة ابن حزم "والتنافر في الأضواء، والموافقة في الأنداد، والنزاع فيما تشابه موجود فيما بيننا، فكيف بالنفس، وعالمها العالم الصافي الخفيف، وجوهرها الجوهر الصعاد المعتدل، وسنخها المهيأ لقبول الاتفاق والميل والتوق، والانحراف، والشهوة والنفار؟!".
.. لعل هذه المقولة، وإن كانت تحدث عن علاقة ذات بذات تكشف لنا وعياً بذلك العالم الذي تحركه الذات ويتحرك إليها.. ولقد شغل خطاب تأمل الحب والأشواق بترجمة هذه اللغة التي تأبى على الترجمة، ولذلك كان شغل بسام الحجار على هذا العالم قادماً بلغة مجازية أخرى في لغة الدرس والتفسير والتحليل، وذلك في كتابه "معجم الأشواق" الصادر عن المركز الثقافي العربي.
دراسة واعية وبناءة تأخذنا عبر الذّات المحلقة بشعرية المجاز والتكثيف. أصداء النّفس تبحر بلغة فريدة وقلم يُحسن الإمساك برموز اللغة .منه نستمد عالمنا المرئي وغير المرئي ،ونفنّد أسطر الذّات الموغلة في اللاشعور. هذا مالمسناه من خلال الدراسة ودراسات سابقة زودتنا بالكثير من آليات الكشف عمّا بين السّطور..
قد تكون شهادتي بكم مجروحة د.عالي القرشي ؛ كوني تتلمذت على مقالاتك ودراساتك منذ زمن لم تعرفني به، ولكني كنت أعرفك جيداً ،وأقرأك كما لم يقرأك من يدعي معرفتك ، ويتتبعك في كل حين؛ لتشكل له هاجس القراءة الأعجمية بالنسبة له،والواعية والناقدة بالنسبة لنا .
مازلت في بداية الطريق؛ لأحسن محاكاتك،ولكني أحاول كطفل صغير تهجيئة حروفك علّني أصل لمبتغاي بأن أكون حرفا من عالمك الإبداعي..
وقل : ـ وَقَلَ في الجَبَلِ يَقِلُ: صَعَّدَ،
ـ كتَوقَّلَ، ورَفَعَ رِجْلاً وأثْبَتَ أُخْرَى.
ـ وفَرَسٌ وَقُـلٌ، ككَتِفٍ ونَدُسٍ وجَبَلٍ: صاعِدٌ.
ـ والوَقْلُ: شَجَرُ المُقْلِ، أَو ثَمَرُهُ، أَو يابِسُه، وأما رَطْبُهُ: فَبَهْشٌ
ـ ج: أوقالٌ، وبهاءٍ: نَواتُهُ
ـ ج: وُقُولٌ.
ـ والوَقَلُ، محرَّكةً: الحِجارَةُ، والكَرَبُ الذي لم يُسْتَقْصَ فَبَقِيَتْ أُصولُه بارِزَةً في الجِذْعِ،
ـ فأَمْكَنَ المُرْتَقِي أن يَرْتَقِي فيها.
ـ وفَرَسٌ تَوْقَلَةٌ: حَسَنُ الصُّعودِ في الجَبَلِ.
ـ ورجلٌ وَقْلَةُ الرأسِ: صغيرُهُ جِدّاً.