وقع قبل شهور الكاتب عبدالحفيظ الشمري اسمه على إصداره الروائي الأول، المعنون بـ"فيضة الرعد"، ويستقبل القارئ هذا الإصدار بحملة من الإشارات التي يحملها غلاف النص الأول، بهذا الشكل:
ويوحي هذا الأمر بحفاوة الكاتب بإنجازه، ورغبته في أن يعثر على الاسم الذي يشير إلى هذا الإنجاز، وكأن الكاتب بعد أن أنهى عمله يعايش حالة الكتابة والتشكيل؛ فهو الذي تتنازعه أسماء متعددة للدلالة على عمله، فتجد فيه هذه الأسماء الثلاثة، وتجد اللوحة (لوحة الفنان عبدالله الشيخ) التي حاول أن تكون ضوءاً كاشفاً للعمل، ثم تجد وسم العمل بـ"رواية"، ثم تجد اسم الكاتب، وقد ظلّ اسم الكاتب على تجريده الظاهر في هذا الوجه من الغلاف، حيث لم تظهر له صورة شخصية في الوجه الآخر، أو تعريف، حيث لم يتضمن الوجه الآخر من الغلاف إلا مقطعين من الرواية، وإشارة جانبية إلى صاحب لوحة الغلاف.. ويبدو لي أن هذا الإخلاء يحمل رغبة المؤلف، في الالتصاق بالعمل، والصدور من فضائه، ذلك الفضاء الذي فتحه المؤلف، حين خط على ذلك العمل السمة الأولى، حين وسمه بـ"الفئ الأول..."، وجعل اسمه في الأفق الذي يسير له ذلك الخط، في مساحة يتسع فيها أفق المسار، فكان الاسم حاملاً لوعي الذاكرة، ولوعي التأويل الذي جسد هذا العمل، بوقوعه في ذلك المكان من غاية المسار، ومن غاية الكتابة، ولعل وضع خط تحت ذلك العنوان يشي بهذا المسار، ويشي بانفتاح الطريق، ووضع اسم المؤلف أمام ذلك الأفق يشي بالخروج التعب الذي احتضن الصبر، ومرارة الشقاء، ليكون في مرمى ذلك المسار الصعب، بعد أن اختار المؤلف التعرف عليه في هذا العمل من خلال إصداراته السابقة، التي تدرج في سرد "القصة". تاركاً الفضاء مفتوحاً لاستقبال اسم المؤلف من خلال هذا العمل، ومن خلال هذا الجنس الذي وسم به عمله هذا...
ويأتي في الغلاف التركيز على اللون الأسود، الذي يقرن إلى جانبه بدرجة أقل اللون الأزرق، الذي حمل كتابه "حاسة الفضاء"، و"رواية"، فهل جاء ذلك للتخفيف من حدة السواد؟ أو جاء ذلك راسماً للأفق الذي يتناهى في تحديد مسار الأشياء، الفضاء، البحر؟ وهل جاء قرن "رواية" بلون "حاسة الفناء"، تخفيفاً من وقع ذلك بأن يكون مجرد رواية؟ أو أن الرواية هي الكتابة التي نبعت من حاسة الفناء وجسدتها؟ أو أن ذلك رحلة نحو المجهولَ
ولعل بدء هذه العناوين بعنوان"الفيء الأول"، يشير إلى ذلك الفأل الذي يغالب الشقاء الذي تلد منه "الرواية"، وتتناهى إليه، فإذا عرفنا الشقاء في عوامل الرواية، كان ذلك "الفيء" متكوناً من لحظة، أخرى لحظة المصير في عوالم الرواية، هي لحظة الفأل التي بدأت بالكتابة، كتابة الرواية، فهذا هو الفيء الأول الذي ينتظر تعاقب البداية.. وأما علامية "طلح المنتهى" فهي تشير إلى صبر ذلك الشجر، وعناده، وانتزاعه الحياة من قسوة الزمان، وقد جاء في الرواية الإشارات إلى ذلك في مثل الصفحات "28، 154، 155".
ويتداعى "طلح المنتهى" بالنقيض من "سدرة المنتهى" المذكورة في سورة النجم، تلك السورة الحاملة لبشارة الخير والنعيم، إذ ان تلك السدرة عندها "جنة المأوى"...
وقد حمل النص في "طلح المنتهى"، ذلك النقيض من العذاب والشقاء الذي يكتنف مصير هذا الوادي، فها هي "غزالة" الشخصية المحورية في "الرواية"، يقول عنها النص مستبطناً حوارها مع ذاتها: "همست في ذاتها الغائبة تماماً:
من أين أتيت يا فيضة الشقاء؟!! وإلى أين أنت عابرة بهؤلاء الأبرياء، والسذج، وذوي العقول المقفلة، إلى طلح المنتهى.. مأوى الرمضاء والسراب، والأشباح التي تعاند سياط الضوء الباهر؟" الرواية ص
155.وهنا نجد أن كلمة "مأوى" تشير إلى ذلك الاستدعاء الذي يشي بالمسافة الشاسعة بين النقيضين، ويزيد الشقاء الذي يكتنف هذا الوادي شقاءً وبؤساً.. ثم إنه يشي أيضاً بنقيض المسار، مسار جنة المأوى الاستقامة، وطريق الخير، وانفتاح العقل، واستقبال العلم، ومسار طلح المنتهى السذاجة والجهل والإذعان لحبال الهوى..
وأما اختيار لوحة الفنان "عبدالله الشيخ" فذلك مسايرة للتقليد الذي سارت عليه بعض دور النشر، وسار عليه بعض المبدعين، في اسقاط دلالات لوحة على أعمالهم؛ يدقق بعضهم في اختيارها، أو تشكل خصيصاً لهذا العمل أو ذاك.. لكن هذه اللوحة التي اختيرت لـ"فيضة الرعد"، تحمل علاقات لا تتقاطع مع علاقات النص على نحو تندغم فيه اللوحة في ذهنية النص، حيث حملت اللوحة صورة من الريف ذات أطر مغلقة، بينما كانت ذهنية النص رحلة ومسار، ومغالبة للعسف، والجور، والمرض... والخوف من المجهول...
وإذا انتقلنا من العناوين الخارجية إلى العناوين الداخلية؛ نجد هناك عناوين الفصول التي تأتي في جمل مثل:
* الجبل الذي تراه يهتز من المؤكد أنه يوحي بحجم المعضلة.
* لنر الفجر.. فالليل الذي يحتضر وتثكله النجوم سيلد من موته خيوطاً بيضاء تغزلها حلكته.
* نسافر مكرهين لأن المدن تبحث عن زوار تعساء يبحثون عن ألق ذواتهم..
* الدود الذي نفل وجوه سادتي الموتى.. هاهو يزحف على سخام الأرض معفراً وجهه بالتراب.
وتنقل هذه الجمل إحساس الراوي نحو استكناه العذاب والشقاء، ومغالبة أهل الفيضة له.. وتعتمد هذه الجمل على مجاز اللغة، مستثمراً شاعريتها، وإضفاء إحساس القلق، وانغلاق المصير على حركة الحدث.. لذلك تبدو هذه الجمل إضاءات معلقة في فضاء النص، ليست محكمة الارتباط به، على نحو يلحمها بالنص، ويجعلها جزءاً من ذهنيته، فهي ذهنية القارئ بعد أن كتب وقرأ.. لذلك كانت منفصلة عن النص.. ويختلف هذا الصنيع هنا عنه في رواية (عبده فال)، "الموت يمر من هنا"، حيث عنون الراوي هناك للفصول بأقوال ملتصقة بالشخصيات، أو بأهل القرية، أو بالحس الشعبي أو من الموروث الثقافي، حيث يحمل كل عنوان توقيع من قال ذلك القول... فجاءت لذلك هذه الأقوال ملتصقة بذهنية النص ومرتبطة به، بخلاف عناوين هذه الرواية...
قضئ : ـ قَضِئَ السِّقاءُ، كَفَرحَ: فَسَدَ وعَفِنَ، وتَهافَتَ،
ـ وـ العينُ: احمرَّتْ، واسْتَرْخَتْ مآقيها، وفَسَدَتْ،
ـ وـ الحَبْلُ: أخْلَقَ وتَقَطَّعَ، أو طالَ دَفْنُه في الأرضِ فَتَهَتَّك،
ـ وـ حَسَبُه قَضَأً وقَضَأَةً: فَسَدَ.
ـ وفيه قَضْأَةٌ، ويُضَمُّ: عَيْبٌ وفَسادٌ.
ـ وقَضِئَ، كَسمِعَ: أكَلَ.
ـ وأقْضَأَهُ: أطْعَمَهُ.
ـ وتَقَضَّؤُوا منه أن يُزَوّجوه: اسْتَخَسُّوا حَسَبَهُ.