في هذا الوقت الذي تتداعى فيه أصوات تسعى لمبررات مقولاتها، بعلو الصوت، واتساع مداه، وعمق قاعدته، وتراجع هذا الصوت، فتجده من أصوات تعميم الجهل، وفرض الاستبداد، ورعونة المنطق، وحين تحاول ان تتبين مدى تأثر القاعدة العريضة بهذا الصوت، وتفاجأ بأن ذلك يحمل صوتين لدى هذه القاعدة، أحدهما مضمر وهو الصدق، والآخر ظاهر وهو الصوت الذي يراعي المصلحة الآنية، ويستدني التلاؤم والتوافق مع الآخرين.. حين تتأمل ذلك يتكشف ذلك عن تواطؤ على الارتهان للصوت الإعلامي، لصوت يصمت الحقائق، ويعمد إلى مواجهة الأمور بصوت يحمل اهتزازه وخلخلته..
لعلّ استمرارنا في قبول ذلك الصوت، والاستسلام له.. يحمل الكثير من عيوب خطابنا الذي نواجه به المتغيرات والأحداث، ذلك الخطاب الذي فشلت تربيتنا في كشف عواره، ومداراة أواره.. فتربيتنا ومبادئنا الإسلامية، تدعو إلى الصدق، وإلى النصح بالحق، وإلى تحمل الألم في سبيل الصدع به.. لكننا في اجتماعاتنا لا نصحح فهما خاطئا، ولا نكشف عيوب ممارساتنا.. بل ان الخطأ يبرر، والتحول من حال إلى حال يبرر بالتجربة الجديدة، وتستمر التجربة، وتستمر اخطاؤها.. ونحن رهن بذلك الصوت الذي كان خلف التجربة، ومصالحه، لا ننتقد ولا نتحدث إلا إذا تغيرت التجربة.. وكأن الفضائل التي تحدث للتجربة الجديدة، تنفتح فجأة، وكأن ذلك الماضي قبلها في حد منفصل عن هذا الفتح الجديد..
لعلّ ما نعايشه - الآن - من مشاهداتنا لتعدد الاصوات، وما نواجه به من متغيرات حادة، تجعلنا في حاجة إلى وقفة صادقة مع النفس، صادقة مع انتمائها الديني والحضاري.. وصادقة في تعاملنا مع الآخر، على أساس من الاحترام المتبادل، ورعاية المصالح المشتركة، والحوار الذي يحفظ حق المتعاملين..
وإذا برز حدّ مما يتطلبه الصدق في تعاملنا مع هذه المتغيرات، فإن ذلك الظهور بحاجة إلى الامتداد به في وعينا الثقافي، وفي تعاملنا الحضاري، حتى نكشف لذلك الآخر جدّية أقوالنا، وطبيعة علاقتنا الاجتماعية، وعلاقة شعوبنا بقياداتها..
وإذا فهمنا الآخر بان مصالحنا لها مكانها، وان رؤيتنا لتلك المصالح لها تقديرها واحترامها، عرف هو حدود مصالحه معنا، وكفّ عن طمعه المتزايد، الذي اعتمد فيه على خلخلة خطابنا في عمقه، واعتمد فيه على تقسيمنا على عدة مستويات، فمن تقسيمات سياسية إلى تقسيمات اجتماعية، إلى تقسيمات ثقافية.. فهو ينظر الينا الآن - في مواقفنا التي يتكشف له بسهولة تناقضاتها، ويرنو إلى العمق الذي يخال مابين فئاتنا خاصة في الرؤى الفكرية والثقافية، ذلك ان شأن هذه كبير، إذ اننا دائماً نتسع بالخلاف إلى مدى نحاول ان نصمت به الآخر، وندحره، ونقيم عليه الحجة.. نختلف عند أمور من ظواهر حياتنا، وممارساتنا اليومية، فنتنامى بها إلى المجافاة، والمحادة، والدخول في دوائر التصنيف فنحن مثلا نتحاور حول حفل ثقافي، فإذا بنا نتحاور حول اسلامية هذا الحفل أو عدمها.
نقف على انجاز ابداعي، في قصيدة شعرية، أو قصة أو رواية.. فإذا بنا نتحاور حول مشروعية ذلك..
وبطبيعة الحال، ليست الحوارات هي المنكرة، ولكن سعي هذه الحوارات إلى الصوت الذي يحدد الفهم، ويحتكر الحقيقة، ويجنح بالتأويل إلى قاعدة واحدة.. هو الذي يضيق الحوار، ويفتح دوائر التصنيف والتقسيم..
ان الذي تدفع اليه هذه المتغيرات، هو التسامي على خلافاتنا، ومحاولة التعامل معها بروح الالتفاف والتوحد، مع المراجعة المتأنية الشاملة لممارساتنا التربوية، وخطابنا الثقافي.