Warning: file_put_contents(/home/draaicom/public_html/banarat/banners.php) [function.file-put-contents]: failed to open stream: Permission denied in /home/draaicom/public_html/include/functions_misc.php on line 0 ما بين المطر والجمر قراءة في ديوان مسفر الغامدي - المحتويات - موقع الدكتور عالي القرشي - powered by Infinity
في ديوان مسفر الغامدي "حينا من الضوء" الصادر عن دار المدى، هذا العام، يصافحك الشعر هابطاً على المدى، والشارع، والمنعطف.. وفي الطريق، والكراسة، ومشاغبة الأطفال، ووجوه السنين... لا تجد قداساً للشعر، ولا تجد شيئاً دون الشعر، ومع ذلك لا تجد امتهاناً للشعر، أو جرجرة له على موائد كثيراً ما ألبس جلال الحضور إليها مكرهاً!! ولذلك جاءت القصائد هامة الإيقاع، خفيفة النبرة، حافلة بالإمكان، بعيدة عن ادعاء الحسم؛ إذ تدخل إلينا عن طريق المخاطبة بما نتعارف عليه، ونسترجعه، وما يصادفنا.. تجد الشاعر يحادثك، ويذاكرك، ولا يملي عليك رؤية، فمثلاً تجده في النص الأول في الديوان المعنون بـ"رحيق"، يقول:
في آخر هذا المنعطف القاتم
أشجار...
أشجار تلهو بالريح
أشجار خلعت قمصان الأوراق
وظلّت عارية، في غير حياءٍ
تتوسل للغيم...
ثم يقول:
بيتٌ...
عند المنعطف القاتم
مكتوبٌ بالصخر..
في البيت صبيٌّ
يسكن قرب الموقد
صبيٌّ كالنحلة...
.. يتغذى برحيق الجمر!!(9، 10)
وتكاد تقول إن القصيدة تعتمد على هزة الدهشة التي تنبعث من آخرها، لتسري إلى أولها، لتعود إلى طريقة قراءتها لكي تقرأ الأشجار التي تشتهي المطر في ظلال أو في ضوء علاقة ذلك البيت المكتوب في الصخر، وفي ذلك العنوان "رحيق"، لكي يؤول رحيق مرجو من الزهر والثمر بعد أن تسقي الأشجار، إلى أن نراه "حرمانا" حين أصبح جمراً مكان العسل والأمل والرجاء.. ومن شأن هذه العودة أن تلون كلمات في النص مثل "القاتم"، صفة للمنعطف، وكلمة "بيت.. مكتوب بالصخر". ليجعل اللون تلك الكلمات مشيرة إلى المأساة، والضجر، والقلق، إذ تستحضر الإظلام، والقدر، وحتمية المصير..
وهنا نجد أن النص عبر ترابطات يسيرة، ومشاهدة سكب في تلقينا الدهشة، وأسكننا علاقات: الأشجار، المطر، النحلة، الصبي، الرحيق، الجمرة....
وإذا قرأنا نص "وادي"، الذي يقول:
.... .... .... ...
سيقول العراف الأعمى:
الجبل الغربيُّ
... يصد البحر إذا ارتفع الموج
..الجبل الشرقيُّ
يئد الصحراء
لكي لا يندلق الرمل...
القرية ساكنةٌ بين النارينء!!
فلماذا حاولتم هتك السرِّ
ورفع الأعناق؟!!
سيقول الطفل العاجزُ
عن إصلاح عمامته:
- حاولنا أن نتعلم
كيف نهاجرُ من سجن الأحداق!! (11، 12).
سنجد أننا أمام حالة ضرورة السؤال، ومواجهة الخوف، والتمرد على سكينة الأسطورة من خلال هذا الحوار الذي لم يستجب فيه الطفل لاحتجاج العراف...
أما قصيدة "النهر"، فقد جاءت في الديوان (20، 21) على شاطئين ليكون شاطئاً لحديث الشاعر عن النهر وكتابته الحياة، والحرمان...
وفي الشاطئ الثاني "القلم" الذي أراد منه أن يخط على مفرق الأرض سطراً من العشب يقول:
ما يكتبه الماء..
لا تقرؤه إلا الأشجار
فأغرس أقدامك في الأرض
توشح بغصون يسكنها الطير
لكي تعرف ما تكتبه الأنهار
ويبدو أن قصائد الديوان تنبجس من هذا الوعي، بالعلاقة بين الإنسان وما حوله، بضرورة أن يتشكل في هذه العوالم، فلذلك سكنت الرؤية الشعرية هذه العلاقات وفاجأتنا بما يقتنص منها، وفاجأتنا أحياناً بالعلاقة البكر في الاكتشاف أو في التشكيل، مثل تلك العلاقة بين الصبية في المدرسة، والحروف في المعاجم، حين يقول في قصيدة "خروج"(22):
... مدرستي
.. تحجز للصبية الراكضين
مقاعدهم في الكتاب
وحين يولون
مثل الحروف التي
تتقافز هاربة من مقاعدها
في المعاجم
خارجة للقصائد..
....
وكما كان توظيف الديوان لهذه العلاقات، كان توظيفه أيضاً لرؤيته الشخصية لمن يحيطون به، أو تربطهم به علاقة.. فكان "ضياء" يرتقي تعثره، ولعبه إلى أن يكون رؤية للفعل المجترح، المعجز، يقول:
حين كنتُ أدربُّ نفسي
على محو بعض ...
كنت - بالكاد - تنجز
تكسر فنجان شاي
وتهرق فوق المفارش
كوبا من الماء (60)
وفي نص "المُغنَّى" (79)، تنتقل "مكاشفات السيف والوردة" لعبدالعزيز مشري "رحمه الله"، إلى هذه الصورة:
أوصاني أن أكتب هذي اللعبة.
كلمات في حجم الوردة
ميراثاً للقمح
... كحد السيف!!
مستغلاً المسافة بين الوردة والسيف، لتكون الكلمة شذاً فاعلاً، وجمالاً محركاً ومرهباً... ليقول في آخر النص:
أخرجني من هذي البلدة...
أدخلني بين السيف وبين الوردة:
أدخلني في نفسي!!!
لتكون المسافة بين الدخول وبين الخروج هي الطريق الكاشف لدواخل النفس، مثلما كانت المسافة بين السيف والوردة هي المسافة بين الطعن والعشق