Warning: file_put_contents(/home/draaicom/public_html/banarat/banners.php) [function.file-put-contents]: failed to open stream: Permission denied in /home/draaicom/public_html/include/functions_misc.php on line 0 إقصاء ثقافة السماع - المحتويات - موقع الدكتور عالي القرشي - powered by Infinity
ومن صور الإقصاء المتفشية في مشهدنا الثقافي القناعة بثقافة السماع، وهذا أمر لحظه كثير من المتأملين وأشاروا إليه أذكر منهم عابد خزندار، عبده خال.. فما أن نسمع عن حكم انطباعي عن شخص، حتى يأسرنا ذلك الحكم، ونظل نستقبل مقولاته في ظلاله، وإذا كان لي أن استطرد هنا فإني أتذكر بعض الذين تفاعلوا مع حركة الحداثة وإبداعاتها، حين سرى الانطباع الجائر بأن الحداثة، والحداثي ضد الدين، والتراث، والقيم، إذ ساد ذلك الانطباع الناتج عن ثقافة سماعية، فإذا بهم يفاجأون حين يعلمون أن هذا يصلي، وذاك يعتكف في حرم الله.. ولا شك أن الذي أدى إلى هذه المفاجأة ثقافة السماع، التي قد تؤدي بهم إلى أن فلانا طيب القلب، ولكن غرر به الحداثيون، وأنه يخاف الله.. إنه لأمر عجاب كيف تتحول ثقافة السماع إلى أمر يغتال الناس، في ذممها، وأمانتها، ودينها!!
وحين نسمع أن هذا الكاتب متجاوز في إبداعه سيطر علينا ذلك وظللنا نستقبل جميع أعمال الكاتب في ظل هذا الحكم السماعي.
كنا يوم الثلاثاء الموافق 1424/12/19هـ، في جلسة لجماعة "حوار"، بنادي جدة، وكانت الورقة المطروحة للحوار هي ورقة الأستاذ علي الشدوي، عن رواية رجاء عالم (مسرى يا رقيب)، الممزوجة بلوحات أختها التشكيلية/ شادية عالم، وأدت آليات قراءة الشدوي التي قامت على فكرة نقض العجائبية التي بنى عليها معجب الزهراني قراءة سابقة له لهذه الرواية... أدت إلى أن يجرد الرواية من أثر الفن الجميل، ومن دهشة البساطة... ثم جاءت المداخلات التي كانت على نوعين، منهم من نظر إلى العمل في ضوء التفاعل مع عوالمه، وعدم محاكمته لنموذج مفروض، فأبدى الدهشة من النص، والدهشة من رأي الشدوي..
ومنهم من وجد في رأي الشدوي معبراً عمّا عرفه سماعاً عن هذه الروائية وما في أعمالها من غموض، فالتقط الخيط من الشدوي ليحدد أطر بساطة الفن، وبساطة تلقيه..
ولست أنازع هنا أحداً في رأيه، ولكني أجد ثقافة السماع هي المسيطرة، فرجاء عالم غامضة النص، تتكلم من برج عاجي، دون أن يكون هناك تكامل لمراجعة هذه المقولة المسيطرة، فليست هناك قراءة متكاملة لأعمالها، بل إن البعض يقول: إنه لم يستطع قراءة النص...
ففرح هؤلاء لأن الشدوي يعدد من الآليات، التي استخدمها:
- نقض القراءة السابقة.
- تذكير المتلقي بتأثير الأعمال الواضحة التي استطرد في ترديد أسمائها.
- تقديم فقرات من نص رجاء عالم في سياق تلق أنس إلى الوضوح والبساطة....
.. وجد الفرصة سانحة ليصافح ثقافة السماع هذه، ويحفظ لها هدوءها وقناعاته.
وأخذوا يمارسون على الاقتناع بهذا الغموض مماحكات في وصف هذا النص، وددت أنها كانت قناعة ناتجة عن جسارة في قراءة النص، عن تحليل لعوالمه الغريبة، عن بحث عن تماس العالم المشهود مع العالم الغريب، عن الدلالة الكلية لهذا العمل..
لذلك يبدو لي أن المصادرة السماعية، التي التقت مع قراءة الشدوي، أثارت حماس أولئك الذين بهرهم النص، الذين تفاعلوا مع عوالمه، وأنسوا بوحشته وغرائبه، فجاءت مداخلاتهم متحمسة للنص، لعلي أمثل لها هنا بمداخلة سهام القحطاني التي طلبت التداخل مرات عدة.. ومداخلة كامل صالح، وحسين المكتبي، ومحمود عبيدالله.
ولعل مثل هذه المداخلات كسرت ثقافة السماع هذه، مما يجعل المرء في ظل مساحة الحوار، واتساع نافذة الثقافة في حاجة إلى دخول مخاض الآراء وإدراك تحولاتها، وألاّ مكان للاستنامة إلى شتات ثقافة استماعية.. وقد كان ذلك ثمرة من ثمرات الحوار الذي أقامته الجماعة في هذا النادي المؤسس لثقافة الحوار.. فإذا كان الشدوي بمثل هذه القراءة كما أشار حسين بافقيه جريئاً وشجاعا في مواجهة الأسماء والتي حكم لها بالتجاوز... فإن الآراء المخالفة لرأي الشدوي استثمرت نافذة الحوار لتحاور بتحليلات ترى أن هذا العمل يتعالى على كثير من الأحكام الصارخة التي أطلقت في تلك الجلسة.
ولعل ذلك أدى بمثل بعض المداخلات المختصرة لرئيس الجلسة، حسن النعمي، ومحمد ربيع الغامدي أن تشير إلى أن نص رجاء المقدم في هذه الجلسة كان استثنائياً ضمن مجموعة الأعمال التي تداخلت معها جماعة حوار حتى الآن.
@@@
ولقد ضجت أذني ذات يوم من سماع أحكام قيمية وأطلقت على رواية "الخباء"، لميرال الطحاوي، فقرأت الرواية، وحاولت أن أتبين الطريق المختلف الذي أوصل هذه الرواية إلى هذه القيمة، فوجدت أن الرواية لا تزيد على أن تذكرنا مجالات الشقاء والتهميش الذي يمارسه الرجل ضد المرأة، وفتح الرواية المجال للكشف عما يعتلج داخل الصوت الأنثوي من هذا الصنيع، ورسم مستويات من الصراع والمواجهة بين هذا الصوت وبين التسلط الذي تقوده في الرواية أيضاً المرأة ضد المرأة.. وأن ذلك كله يقدم في عالم تنفتح ذاكرة الكثيرين على استدعاء مثله..
ولقد قرنت ذلك بالطريق المختلف الذي تقيمه رجاء عالم في عوالمها الروائية، وما تقيمه من عوالم لا حدود لها، تتراءى بين الكوني المشاهد، والكوني المختفي، والواقع المشهود، والواقع المقرمد، والعلامات الظاهرة، والعلامات التي يحدثها التأمل والاستبطان، فعرفت أن الذائقة السماعية، وخلفها مصافحة الذاكرة بما تعرف وتألف أرسلت الطحاوي في أذن الدهر، وأن الفن العميق، ومراودة العوالم الجديدة مازالت في انتظار الذائقة القرائية.
غثمر : ـ غَثْمَرَ مالَه: أفْسَدَهُ.
ـ والمُغَثْمَرُ: الثوبُ الرَّدِيءُ النَّسْجِ الخَشِنُ،
ـ وـ الطَّعامُ: لم يُنَقَّ، ولم يُنخلْ، وبكسر الميمِ الثانية: حاطِمُ الحُقُوقِ ومُتَهَضِّمُها.