Warning: file_put_contents(/home/draaicom/public_html/banarat/banners.php) [function.file-put-contents]: failed to open stream: Permission denied in /home/draaicom/public_html/include/functions_misc.php on line 0 حين تقصي الإثارة الفعل الثقافي - المحتويات - موقع الدكتور عالي القرشي - powered by Infinity
حين تطغى الرغبة في الحضور الإعلامي، على الفعل الثقافي، فيستجيب لمعايير الثاني في الإثارة، وايجاد الرغبة في المتابعة لدى الجمهور.. فإننا حينئذ ندخل في مقايضة غير ثقافية، نجرد الفعل الثقافي من عمقه، وبعده الفاعل إلى ادخاله في حيز الخبر والصورة، واغراء الإعلان، فتبشر مقولاته إلى جمل، وتاريخه إلى شخوص، وفعل دراسته والنظر فيه والتأمل إلى أحكام مبتورة تتراوح بين حدي نقيض من الاشادة والذم.
يدخل هذا الصنيع المعرفة وحوارها في منطقة الهشاشة من التفكير للمتلقي، فيقفز إلى أمور لم تكن له بها علاقة ذات يوم فيصبح ذا رأي فيها يصنف، ويؤيد، ويعارض.. ويلقي بأحكام سريعة لا يتوخى فيها الدقة بقدرما يعرض صوته لموقف من المواقف المحتملة لهذا الفعل..
ويظن البعض أن مثل هذه الاستجابة السريعة للطغيان الإعلامي، من قبل منتج الفعل الثقافي، وعارضه ومتلقيه تأتي استجابة لكوامن نفسية في الذات العربية تجنح بها نحو التباهي، وادعاء البطولة، والتضحية.. والالتصاق بالمنتصر وهواه، وذي الحضور الجماهيري.. وقد ضاعف من ذلك الشعور وراكمه قرون من الغبن والاحباطات التي لازمت الإنسان العربي، ونحو لذهنية التميز، واختلاس الجهود.. وسارع بذلك التأثير الإعلامي، وسبق الانتشار، والعمل وفق قواعد الصدمة المباغتة، وقد قادني إلى هذا الحديث ما نراه في صحافتنا الثقافية من احتفال بالاثارة، وبحث عنها، حتى لو أدى ذلك نقل الفعل الثقافي من دائرة الوعي والرقي الفكري، إلى اختصاره في جمل من الاقصاء والتنديد، وادعاء نشوة الانتصار.. فنجد حينئذ أن المسألة تنتقل من شرط الفعل الثقافي إلى شرط الفعل الإعلامي المثير، حتى لو اتخذ من "الغاية تبرر الوسيلة" نبراساً له.. ومثل هذا يقفز على المسئولية المهنية، والمسئولية الحضارية، ولست غالياً إذا قلت المسئولية الوطنية.. وهذا يدعونا إلى التساؤل عن الحوار الدائر حالياً حول كتاب الغذامي "حكاية الحداثة.." ما الذي اضافه هذا الجدل؟
لقد كان في غالبه اختصاراً للمرحلة والفعل الثقافي في شخوص، واختصاراً لها في أحكام عامة، وظهوراً لآليات الاقصاء، والتعنيف.. وغياباً عن النظر في صنيع حركة الحداثة، وماذا قدمت؟ وماذا كان بامكانها ان تقدم؟ وما أسباب اختصار الحديث حولها في عناوين مشبوهة، وإثارات دعائية؟
لقد أفرزت حركة الحداثة فعلا ثقافياً يتنامى في:
- نصوص ابداعية متحولة لعدد من المبدعين في أجناس كتابية مختلفة يأتي في مقدمتها: الرواية، الشعر، القصة..
- حضور للحوار الثقافي في مناشط ثقافية متعددة داخل الوطن وخارجه.
- بروز للاصدار الثقافي داخل الوطن وخارجه.
- نشاط دائب في المسرح.
وقد اختصرت الرغبة في الحضور الإعلامي هذا الصنيع في أحكام عامة، فبدأ هذا الفعل تحت سياط المصادرة لتحقيق الاثارة وادعاء الشجاعة الأدبية التي أخرجت لنا مقولات مثل تلك التي تعادي قصيدة النثر، وتقلل من صنيع الإنتاج الروائي لدينا، وتنظر إلى القصيدة بمنظار الأزمة.. والجدل الدائر حول الحداثة حالياً بمنظار انكشاف السرائر، وظهور الخصومات..
إن الفعل الثقافي حين يتجرد من شروط التأثير الإعلامي الساعية إلى الحضور، والإثارة على حساب كل شيء.. سيكون تقويمه ونظره مختلفاً فستحضر فيه حينئذ نظرة الحوار بين الأفكار، وقراءة الظاهر ونقيضه، وقراءة الظاهرة في فضائها وعالمها وزمانها، واستخلاص الأحكام من سياق عام يستخلص من جهود متمايزة ومتباينة في ابداعاتها ونظراتها..
لقد دلف هذا الجدل في عمومة إلى حكاية الحداثة، من بوابة الجمل التي صاغتها الإثارة عن الحركة، فحضر الإعلام، وتخلى الفعل الثقافي عن مسئوليته إلا في بعض مقالات أظن أنها ان صبرت على عتمة الإعلام، وبقيت في رزانتها وهدوئها ستقدم نموذجاً لحوار ثقافي لا يضحي بشروط الفعل الثقافي استجابة لنزوة إعلامية.