Warning: file_put_contents(/home/draaicom/public_html/banarat/banners.php) [function.file-put-contents]: failed to open stream: Permission denied in /home/draaicom/public_html/include/functions_misc.php on line 0 لنرتقِ فوق حماقة العنف - المحتويات - موقع الدكتور عالي القرشي - powered by Infinity
ما إن يتصاعد فعل إجرامي من هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم أمناء على مسار حياة المسلمين، وعلاقاتهم، ورحلتهم إلى بارئهم، حتى تعالى الصوت مندداً، ومستعظماً، ومستغرباً، ومذكراً بالنصوص، وحاشداً للأدلة التي تبين وتدل على شناعة هذا الإثم..
ولئن كان هذا الجرح الغائر يهز مشاعرنا جميعاً، حين جرحنا في شبابنا الذين انتكصت فئة منهم على مجتمعها، وقيادته، ورموزه الشرعية والأمنية دون وجه حق.. فان ما أود أن ادير حوله الكلام أمر يتعلق بالتربية التي نوليها لشبابنا، على مختلف مستويات المسؤولية التربوية، ومجالاتها، في الأسرة، المسجد، المدرسة، الإعلام. المجتمع.. ذلك اننا كثيراً ما نتقيد بالرأي الداعي الى الاحوط، وبالرأي الذي يتأول مشيعوه الحال في عدم قبول غيره بأنه سد للذرائع.. فنجد أننا أمام أمور من معاشنا المدني، ومن واقعنا الذي نعايشه نغلق حولها الحوار التربوي، ومعايشة التعامل ونجعل فقه الواقع بعيدا عنها، والفقه المحفوظ والمنقول يجافيها، ما جعل الحيرة تتفشى في الشباب بين واقع المعاش والرأي الشرعي، ولنضرب بعض الأمثلة:
يقدم تلفزيوننا مثلاً نشرة الأخبار، نستمع اليها، فنفاجأ بأحد أبنائنا يقفز مذعوراً إلى التلفاز ليخفض صوت الموسيقى لئلا تسمع، ثم إذا جاء الكلام عاد إليه ليتفضل على الباقين بالسماع.. وهذا الأمر يتشربه الشاب على أنه جهاد ضد هوى النفس، اسكات للمحرم، فينمو فيه هذا، وقد يهيأ له بعد ذلك أن التلفاز يقدم محرمات أكبر من ذلك، فينمو فيه الحس التخويفي، والحس القمعي، والادعاء الجهادي.. ولست أريد تقديم فتوى في الموسيقى، فللفتوى مرجعيتها الشرعية ولكن اتساءل هل سماع الموسيقى مناقض ومناف للثوابت الشرعية بدليل قطعي الدلالة؟
وقد مضى بنا الأمر على أخذ الأحوط في هذا الأمر ان اهمل جانب هام في الحس التهذيبي والجمالي لأبنائنا، فلا موسيِقى مع نشيد العلم في مدارسنا، ولا موسيقى في المسرح، وكذلك سائر أنشطة طلابنا الدراسية.. ولما احتاج الأمر الى البديل كان ذلك في ذلك الصوت التجميعي الذي يأتي عبر الصيحات، وترانيم الأناشيد، التي روجت من خلالها اناشيد حماسية منها ما يخرج عن التعقل والتوافق مع مطالب الروح الانسانية المختلفة.
يقوم الطفل بالرسم، يستدعي خياله رسم صورة ابيه، أو أمه أو أخيه، او القطة التي يحبها، او الطائر الجميل الذي يراه مغردا من شرفة دارهم.. قد يأتيه أحد أبناء الأسرة، يعنفه، يوبخه، مشعراً إياه باقتراف الاثم، ذلك لأنه نمي فيه تحريم صورة الكائن الحي، واذا خفف التوبيخ فقد يوجه إلى أن يرسم ولكن بشرط قطع الرأس، او خسف العينين..
وهنا يحدث التوتر في نفسية هذا الطفل الصغير، فهو يرسم المحبوب لنفسه، وهو يغتاله.. ويشوهه..
عالم اليوم يعتمد على الصورة، هي التي قربت العالم وحفظت الحقائق، واستثمرها المعتدلون والمتشددون على حد سواء..
فهل التصوير لذوات الأرواح ايضا محرم بكافة اشكاله، حتى صور الوسائل، ورسوم الأطفال بدليل قطعي الدلالة؟.
فوجئت ذات يوم بأحد ابنائي في المرحلة الثانوية يحمل إلى كتاب "التوحيد" لأساعده في الاجابة عن سؤال وضعه المعلم يقول:
ما موقف المستشرقين والمستغربين من توحيد الألوهية، وماذا يترتب على موقفهم هذا؟
- فاستغربت أولاً للجمع بين موقف المستشرقين والمستغربين، ثم لوضع هاتين الفئتين كتلة واحدة.. وكأنها اصدرت بيانا واحدا أثبتت فيه مقولتها في هذا الأمر.
عدت إلى الكتاب فاذا به:
"يحاول المستشرقون والمستغربون (الذاهبون مذهب الغرب في فهم الدين) يحاولون ان يعزلوا الدين والعبادة عن بقية شؤون الحياة، ويحصروها في نطاق ضيق من حياة المسلمين، فيجعلوها فيما يمارسه المسلمون في المساجد من الصلاة والذكر".
فهل هذه مقولة جميع المستشرقين؟
ومن هم المستغربون الذين يعنيهم الكتاب؟
إن هذا التعميم يدخل ابناءنا في حيرة عامة، وتشكيك، يجعلهم يتلقون كل مقولة من غير المسلمين، بالشك والارتياب.
ثم إن القاء ظلال كلمة "المستغربون" في هذا الموقف، مع التفسيرات المتروكة لاجتهادات المعلم لهذه الكلمة، يقيم ظلالا من التشكيك في عقائد المسلمين.
وفي هذه الأمثلة التي ضربتها يتبين لنا مواقف تتداخل فيها المسؤولية، بين اطراف متعددة، لو تضافرت ولو وعت الواقع، وسماحة الاسلام، واستيعابه لمعطيات الحياة، وتسخير رب العزة والجلال طاقات هذا الكون وهذا الانسان لعمارة الأرض لأقدم الشاب المسلم بثقة وجرأة على اقتحام مناشط الحياة، ولسخر من الكون حوله بتسخير رب العزة والجلال طاقات استثمرها الآخرون فسادوا، بعد ان كان آباؤنا ذات يوم سادة العالم يوم اقبلوا على الحياة وطاقات الكون، وعلوم الانسان بثقة الواثق، وجرأة العالم العابد.
ان التربية الجمالية، والثقة العارفة امران جوهريان في التخطيط التربوي، وفي الممارسات التربوية على اختلاف مجالاتها، وتعدد مسؤولياتها.. وأظنهما امرين قادرين على انتزاع الخوف، والارتقاء فوق حماقة العنف.