Warning: file_put_contents(/home/draaicom/public_html/banarat/banners.php) [function.file-put-contents]: failed to open stream: Permission denied in /home/draaicom/public_html/include/functions_misc.php on line 0 التشظي والالتئام في نص الحجيلي - المحتويات - موقع الدكتور عالي القرشي - powered by Infinity
كان لي في الملتقى الرابع لقراءة النص، المنعقد بنادي جدة هذا العام، بحث بعنوان "التشظي والالتئام" وقرأت بهذا الاجراء الذي اقترحته نماذج من نص المرأة في مشهدنا الشعري.
وسأحاول قبل أن أداخل نص الشاعر عيد الحجيلي في ديوانه "قامة تتلعثم" أن أوضح هذا الاجراء..
التشظي والالتئام ظاهرة تنتظم الشعر الحديث خاصة القصيدة التي تتكون عبر التكوين الابداعي الذاتي، وتنصهر فيها الرؤية الشعرية المتفردة.. وقد صبغ ذلك التشكيل الشعري، والبناء الكتابي للنص، فأصبحت تتجاوز الانبعاث من النص إلى أن تكون المشكل له، فتظهر في شكل الكتابة، وفي تكوين الصورة، وفي حركة اللغة، إذ إن الشاعر في اللحظة التي يعاقر فيها الكتابة هو يعاني حالة التشظي، والخروج من قلق ما يجول في خاطره، ويبحث عن الالتئام في تشكيل ما يتمكن من تشكيله مما انصدع به في حالة التوتر، وحالة الخروج عن حالة الصمت السابقة للكتابة.. حتى إذا ولج عالم الكتابة التي يريد الالتئام بها وفي عالمها، فرجت به الكتابة إلى التشظي الذي يحيط بعالم النص من اختيار المفردات والصور، ومن نسج العلاقات المفارقة لعلاقات العيان، ولنسائج أخر.. وقد تتداخل العلاقتان المتباعدتان إلى أن تلتصقا لتصبحا متكونتين في وجود واحد تنبعث احداهما من الأخرى.. في بناء النص وفي الدلالة.. ولعل ذلك يتضح بمداخلة ديوان الحجيلي..
العنـوان:
عنوان الديوان يظهر هذه الحالة، ينصهر من ارادة الالتئام ويؤول إلى التشظي.. "قامة تتلعثم"، فحين ارى هذا العنوان على ديوان شعر، قبل أن أرى القصيدة التي يحملها العنوان، أشعر أن هنا قامة تريد مواجهة الحياة، تَحمُل أعباءها، تريد أن يلتئم وجودها، لكن تلك الإرادة تؤول إلى تشظ حين تواجه العوائق، فتبدأ بلغة الطفولة التي يبحث عنها الطفل ليلتئم مع عالمه، لكنه يتشظى بها حين لا يفصح فيظل في هذه اللعثمة وهذا التشظي حتى يفصح فتنشأ لعثمة من نوع آخر، لعثمة من يفصح، لكنه متلعثم... فيكون هذا الشعر، هذه النصوص، متشظية بسبب من الجهد، والبحث الدائب عن ارادة الحياة، وتجدد عوائق الالتئام..
السطر التعريفي:
وإذا دخلنا إلى الديوان لا نكاد نجد سطراً واحداً يشذ عن هذه الحركة بين عالمي التشظي والالتئام.. حتى ذلك السطر التعريفي النثري الذي كتبه الشاعر قبل بدء قصائده.. وقال فيه: "هذه القصائد منتخبة مما كتب بين عامي 1993م و1998م" يضعنا في هذه الدائرة، فهناك القصائد التي كتبها الشاعر، أراد لذاته أن تلتئم فيها، أضحت ذاته تتشظى عن بعضها، أو يجد بعضها يتشظى عنها، فلم يلتئم مع ذاته، وحذفه من ديوانه هذا، ولعله يلتئم مع ذلك المحذوف ذات يوم، لتبقى القصائد التي اختارها.. وإذا دخلنا اليها وجدنا حركة التشظي النابعة من إرادة الالتئام، يتجلى الفعل الشعري فيها بقدر الحرص على ارادة الالتئام.
قصيدة "لن":
لنقرأ احدى القصائد، وهي المعنونة بعنوان "لن" لنجد حرف النفي الذي يعني تأييد ذلك النفي والأعلى التشظي منذ البدء في فاتحة القصيدة، مجلياً لحركة ارادة الالتئام التي كانت نهايتها "لن"، وكلمة "لن" لن تجدها في النص ظاهرة، لكنها تتجلى من خلال ما يبحث عنه، وتتأكد حين نقف على الجملة الأخيرة في النص "والشمس من أمسي ترد!!"، فيكون هذا الرد "لن" عنوان النص.
يقول الشاعر في بدء النص:
أيقظت بعد تغضن الآماد
والجمر البتول
شرارة
عَرءفا عتيقاً تاه في سُدُم الدخان
عرفا توشح بالعظام
لنجد الشاعر يبحث عن الالتئام في هذه الحكاية التي ينسجها في زمن وجوده، فوجوده شرارة، عرف، طاقة وشذى، مصدر تكوين، وجوده ارادة التئام من تلك الموقظة التي شظاها الزمن، لكن ماذا حدث؟؟ تشظي ذلك بالتيه في سدم الدخان، وبالحرمان..
ليعود النص يخاطب تلك بقوله:
مبحوحة العينين لا تستمطري المكنونَ
في نزق التعاليل العجاف
إن الرمادتبجست أظفاره
في روح راووقي القديم
وتفسخت تلك الرغاب الخضرُ
في ثبج الدجى
فلم التعلق في سمادير الصُّوى
ولم التكور في نئيج التوق
والخدر الرجيم؟!!
عاد النص ليلتئم مع موقظته، يخاطبها، يواجه التشظي بالرؤية يبثها اليها، رؤية تحاول الالتئام، مع انها نابعة من التشظي رؤية تأتي بأسلوب النهي، وبأسلوب التوكيد، وبأسلوب الاستفهام التعجبي.. وكل ذلك متكون، ونابع من سيطرة التشظي الذي أضحى بديلاً للاستمطار علامة الرجاء والأمل بسبب من حالة فعل التعاليل الهزيلة، والرماد.
لكن النص لا يلبث أن يتشظى عن حالة الالتئام التي يدعو اليها، حين يعلن عن ارادة التئام وفعل له يؤول إلى تشظ، عبر عدة مقاطع تبدأ بالفعل الماضي المتحدث عن الفعل المصاحب له:
وطفقت أنفث رجفة الماء المكبِّل
.........
سنبلت في دوامة النقع العريق
سلافة اللحن
.........
وغرستُ في سنة المدى المربدِّ
آيات الرؤى
.........
طوبت أجنحة الكمد
فهنا ارادة التئام تواجه العوائق التي تتشظى بالذات، إرادة فعل تواجه انطلاقة الماء، وتبث اللحن في دوامة النقع، والرؤى في زمن الشكوك، وتطوي أجنحة الكمد..
فتكون النهاية التشظي:
فلمحتُ طلع الحلم
يرجمه القطيع...
فرداً أمام قطيع، حلما ينهار، اغتيالا للحلم، أنياب ظنون مغتالة..
ثم ينتقل النص إلى البحث عن الالتئام في الأفق البعيد عن فضاء تلك الارادة التي صدمت واغتيلت.. يأتي إلى البحث عن ذلك في فضاء الشمس، في ثلاثة مقاطع آخرها قوله:
أجري وراء الشمس
أحسو دفء فتنتها..
الاحق دربها الباهي
أنادي طيفها..
والشمس من أمسي ترد!!
لنعود إلى الجواب "لن" عنوان النص، فندرك بعد ذلك شدة التعلق بحركة الالتئام التي تقهرها العوائق.