Warning: file_put_contents(/home/draaicom/public_html/banarat/banners.php) [function.file-put-contents]: failed to open stream: Permission denied in /home/draaicom/public_html/include/functions_misc.php on line 0 الإصدار الإبداعي بين خبر النشر وتحقيق الانتشار - المحتويات - موقع الدكتور عالي القرشي - powered by Infinity
يبدو أن التوارد على التأليف والنشر في مشهدنا المحلي أضحى في هذه الحقبة مزدحما، وضاجا بأصوات كثيرة، يشهد على ذلك الرصد الببليوجرافي الذي يتابعه الأستاذ خالد اليوسف، وعروض الكتب في الصفحات الثقافية، ولكن المتأمل يجدها ضجة سرعان ماتتلاشى أصواتها، إذ إنك عندما تقودك قدماك إلى أقرب مكتبة حتى ولوكانت مشهورة، تنشد شيئاً من هذا الإصدار الذي يتحدثون عنه، لاتجد شيئاً، وإذا حدثت القائم بالبيع في المكتبة عن هذا الإصدار أو ذاك نظر إليك نظرة غريبة وكأنك تحدثه عن عالم لايعايشه أو وقائع ليست فيه؛ ذلك لأن ثمة تواطؤاً على الاستجابة لشهوة الحضور الثقافي، حتى ولو كان مؤقتا، عبر بوابة الإصدار، وصورة الغلاف، وإثبات الخبر، هنا أو هناك، ومخاطبة الكتّاب، وإهدائهم العمل، وتذكيرهم بالكتابة عنه، أما ماعدا ذلك من الأمور الجوهرية في أهداف التأليف، فذلك أمر يجده المؤلف، وصاحب دار النشر ثانوياً إن حصل فبها ونعمت، وإن كان الكتاب لايحقق ذلك فقد حصل الهدف الأساس، مادام أن المغامر هو المؤلف، والدار الناشرة ضامنة للكسب من خلال الاتفاق الأول الذي يدفع بموجبه للدار مبلغاً يغطي نفقات الطبع، ويضمن لها ربحاً حتى إن كسد سوق الكتاب، وأما إن هبت الرياح مع الكتاب، وحقق انتشاراً، فإن الغانم في هذه الحال هي دار النشر التي تظل تعيد وتكرر في طباعة الطبعة الأولى.
لقد أضحى خبر الإصدار في السنوات الأخيرة متناثراً عبر أعمدة الصحف، لكن ذلك لم يحدث حراكاً بالمشهد الثقافي، فنادراً ما تجد المؤلف الذي يضيف إلى ماسبقه، أو يخترق السائد، أو يغامر بالبناء المختلف وتشكيل الأفق المغاير، فلا تشهد إلاديواناً شعرياً تنويعاً على دواوين سابقة، أو نكوصاً في التجربة الشعرية، أو كتاباً يسجل انطباعات ومواقف عامة ليس بها رؤية متفردة، أو كتاباً يصنف في دائرة السرد، وكل مافيه تدوين لحكايات المجالس، دون إمساك للحوار بين أصواتها المتداخلة، أو إصاخة لصوت الكتابة وهي تعيد تشكيل مسار الحدث والشخصية.. ويأتي عرض ما فيه في لغة مباشرة، وتقريرية، شأن حديث المجلس الذي استقيت منه تلك الأحداث، أو مقر الشكاوى الذي استمع لندب وعويل أولئك الشاكين.
ومع هذا الإصدار الضاج إلا أننا نلحظ غياباً يسجل تراجعاً للإصدار الثقافي خاصة في المجال الإبداعي عن المؤسسة الثقافية لدينا، فعلى سبيل المثال نجد الأسماء الروائية المعروفة من روائيينا في المشهد السردي العربي لاتصدر أعمالهم الروائية إلا من خارج الوطن، ويظل المتابعون في حال تلهف للحصول على هذه الرواية أو تلك، وقد تقابل المؤلف أو تهاتفه فيعتذر وهو محق إذ لايملك من إصداره إلا نسخاً محدودة.
وكذلك الشأن في الكثير من الإصدارات في المجالات الإجناسية الأخرى، فبين هذا الركام الذي يتهاطل علينا نجد إصدارات لافتة، ذات حضور قوي، وتحمل تجربة، في تشكيل متجدد، لكن أنديتنا الأدبية، وجمعيات الثقافة والفنون تعيش في بعد عن تلك الأعمال، إذ يبدولي أن كوادرها- إذا أحسنا الظن- مشغولة عن قراءة تلك الأعمال، وتقويمها، لاتخاذ القرار بشأنها، فهي وجدت الراحة في الاستنامة إلى الجاهز من البحوث الأكاديمية، أوكتابة الأسماء المعروفة، أو الاستكتاب فيما تمليه المناسبات، فلا تريد أن تضحي بوقت أو تكلفة مالية، تقرأ فيه ديواناً شعرياً أو مجموعة قصصية لكاتب أو كاتبة ناشئة، ثم تقرر النشر، أو تقديم التوجيه، ولهذا خسرت هذه المؤسسات مؤخراً المبادرة بتقديم الأصوات الجديدة، والتجارب الواعدة للمشهد الثقافي، مما جعل هذه الأصوات تولي وجهها نحو تلك الدور التي أشرنا إلى حكايتها في بدء هذه الكتابة، فسرى عليها ماسرى على الركام فيها، من مرور الأثر سريعاً، بسبب غيابه عن الملتقى العام، لعدم انتشاره محلياً، حتى وإن حظي بالحوار والمدارسة، ذلك لأن أعمالاً إبداعية مثل أعمال تركي الحمد، رجاء عالم، عبده خال، يوسف المحيميد، عبدالحفيظ الشمري لاتصافح أذن المتلقي هنا إلا عبر الدراسات التي تشير إليها في المشهد الثقافي، وإذا هبّ إلى المكتبات لايجد منها شيئاً إلا في مواسم المعارض..
وهذا يستلزم توجهاً مدروساً نحو إعادة النظر في الإصدار الثقافي عبر المؤسسات الثقافية الرسمية، ممثلة في الأندية، والجمعيات، والجامعات، ومراكز البحوث. فلعلها تعيد النظر في سياساتها فتتخذ المبادرة في نشر الأعمال الإبداعية، أو البحوث اللافتة المتعمقة، خاصة أننا نجد بعض الأبحاث الأكاديمية الموصى بنشرها، تنشر عبر دور نشر خارجية، مما يجعل تداولها محلياً محدوداً، وعذر أصحابها أن الانتظار على قائمة البحوث المجدولة طويل جدا،.. ولعلها أيضا تعيد النظر في الاحتفاء بالإبداع الذي صدر منذ فترة ونفذ، فلعلها تعيد طباعة أعمال بعض مبدعينا الذين أصبحنا لانجد إصداراتهم؛ فأعمال إبداعية لمبدعين أمثال: نجاة خياط، ثريا قابل، محمد الثبيتي، على الدميني، خيرية السقاف، أحمد الصالح (مسافر) كانت قبل فترة مثار الحوار والجدل، لانكاد نتوفر على شيء منها- الآن- ومثل هذا بالنسبة لأعمال الجيل السالف لهم، الأمر الذي يستلزم مسؤولية ثقافية تجاه هذه الإبداعات، وتجاه صلة جيلنا بالأجيال السابقة.