Warning: file_put_contents(/home/draaicom/public_html/banarat/banners.php) [function.file-put-contents]: failed to open stream: Permission denied in /home/draaicom/public_html/include/functions_misc.php on line 0 «فسوق» وسدرة الفن - المحتويات - موقع الدكتور عالي القرشي - powered by Infinity
حين تهيمن سدرة الفن على نسج رؤية ابداعية لعراك الحياة بأبعادها المختلفة: الحب، حفظ البقاء، صيانة السمعة.. - كما في رواية «فسوق» لعبده خال - تجد وجهاً مختلفاً، نقرأ فيه: عُرْينا، مواجهة ضغوطنا، فوارق الطبقات الجائر، استسلامنا لسدر العادة، ودهس عربات الإلف والغباء.. وأظهر مهمة الكتابة الإبداعية مخولة بجدل ذلك، وصياغة المسارات الحياتية في الحُزم الرمزية التي يستوحيها الكاتب أو ينتجها؛ لأن الكتابة حينئذ تمعن في كشف الرؤية، بالابحار خلف تجاورات الكشف، وتجاورات الحجب، وربط ذلك بالزُمر الإنسانية الكبرى، المختزلة من تراكم وتكثف التجربة البشرية؛ ذلك لأنه - كما أعتقد - لا يكفي في التجربة الإبداعية الوقوف عند سرد مسارات ما يجري، والتعليق عليه، وفق المواقف الذاتية الأحادية، على النحو الذي ساد في كثير من الروايات، إذ إن ذلك يؤول إلى سرد تسجيلي، حتى وان أمعن في كشف مناطق مظللة ومخبأة تحت ستار الجميل الَحَسن، والجميل، ومداراة العيب، إذ إن كشف المستور والمخبأ، تشترك فيه مثل هذه الكتابات مع تحريات الأمن، وكشافات الصحافة.. لكن عمل عبده خال هنا - كما في أعماله السابقة - يجاوز مثل هذا السرد إلى تعانق فني، تتمازج فيه العجائبية بالواقع، والمتخيل بالجاري وقراءة المبدع بقراءة المحقق، والمخفي بالمشاهد والملموس.
في عمل عبده خال هذا، تدخل الضحية «جليلة» الحدث، من خلال الجملة الاولى في كتابة العمل، حين يقول لكاتب: هربت من قبرها!! ومن هذه الجملة نجد أننا أمام لحظة مختلفة، وتكوين مختلف: فالقبر موت، وصمت، ونهاية، واطباق؛ فهو نهاية حدث، وبدء راحة لكثير من المشكلات، وتعتيم على كثير من القضايا، لكن ابتداء الكتابة بذلك جعل القبر مبتدأ الحديث، ومبتدأ فصول الرواية، مبتدأ انشاء السيرة لهذه الضحية وتشعبات علاقاتها المختلفة، فيؤول القبر إلى فضيحة، وتؤول المقبرة إلى مسرح حكايات منها تبتدئ، وفيها تقبر، تبتدئ منه ثم يطبق عليها، فلا يرشح منها إلا اجزاء تظل تتنامى حتى تعود إليه لتكتسب من غرابة المنبع وقداً جديداً.
تحمل الجملة السابقة تورية من الممكن أن تجعل القبر بفعل نمو سيرتها الكتابية على حوافه حياة هربت من قبرها في الحياة، الذي أحكم الخناق، وشد الوثائق على حريتها واختيارها وعواطفها، ليكون فضاء الجملة المواري هو هذه الحياة التي نسجتها، والحكايات التي امتدت بها، والأروية التي انتهكتها، والأودية التي جعلت الكتابة فيها، تفضح الستر الموارب، وتكشف الكبرياء المفضوحة، والكرامة الهشة.
اسم الضحية «جليلة» تحمل هذا الاسم ذا الدلالات الفضائلية لتتردى في جبروت الصوت الطاغي، وأحكام العيب، والتصورات الممزقة، المعبأة بخيالات مختلفة منها البرئ القاصر، ومنها الممعن في الخرافة ومنها السادر في نشوة التشفي والانتصار.. فيكون ذلك منبئاً عن حال التردي الذي يغتال الفضيلة والكرامة، ويجعلها عالماً لعمل روائي عنوانه «فسوق».
شخصيتان رئيستان في العلاقة مع «جليلة» حرصت الكتابة الروائية على أن تقيم فيهما جذوراً من هذه العلاقة وتشابكها هي: الأب - محمد الوهيب، وشفيق الميت، فالأب عاش ضحية حب منكسر، شهد مقتل عشيقته «جليلة» ولم يكن ليستطيع الدفاع عنها، فسرى ذلك ذنباً في نفسه، وجرحاً غائراً لم يبرأ منه، سمى ابنته بذلك الاسم «أراد بتكرار الاسم استرجاع حبيبته، من موت مضى بعيداً، فسمى ابنته بها» ص 26، لكن الحال لم يمض على ما أراد «ليعود اسم جليلة دالا على الرذيلة» ص26.
أما شفيق الميت، الذي أخفى جثتها، وحفظها في ثلاجة، ليخلو اليها، ويبادلها هدايا المحب، ويناجيها، فقد جدل العمل الروائي حياته من بين براثن الموت، حين جسد الكاتب لحظة سلامته من الموت الذي اودى بأبويه، وحيوات أخر، في انقلاب حافلة كانت في طريقها إلى المدينة المنورة، حيث يقول الكاتب عن صاحبنا «استفاق محشوراً بين أشلاء الجثث المقطعة والمهروسة، كانت تغطية ثلاث جثث مقطعة الأوصال ومشدوخة.. ظل متهيجاً في نشيج محموم.. متشبثاً بيد مبتورة وقابضاً على الخنصر والبنصر معاً» ص ,29. لنجد أننا أمام شخصية ضاقت عنها الحياة، وابتدأت مقومات وجودها من الموت، الذي تحتفظ منه ببقايا جسد تظل تحمله، لتؤول بعد ذلك إلى المقبرة عند عمه القبار، من المودعين لاحبائهم والمتوشحين لاحزانهم، يحصل على لقمة عيشه.. يتسلل أحياناً إلى بيت «جليلة» أحس منها بحنو واشفاق تجاهه، ما لبث أن حال بينه وبينه وبينها كبره، فلم يعد يجالسها فاحتفظ ذات لها بصورة ظل يناجيها، طلب يدها فصد، فكان ضحية فوارق الطبقات، كما كان محمود الذي أحب جليلة قبل ذلك.. وحين قبرت جليلة، أراد الاحتفاظ بجسدها، فكانت حكاية الرواية التي تجسد لنا حكاية القبر الذي يحتضن حكاية حب موءودة، وحكاية البحث عن الحقيقة التي تختفي في الحياة، وتنبعث من بين براثن الظلام، وحكاية الضوء الخافت في زاوية مظلمة من المقبرة يكشف حقيقة ما يجري وحكاية التصرفات الحمقاء التي تؤدي بالحقيقة، كما فعل العريف عطية الذي لم يترك تلك الاعترافات، التأملات التي ساقها الكاتب على لسان شفيق الميت أن تتم، حين انطلق لينقل الخبر إلى فئات مختلفة من المجتمع، فيأتون ويقبرون ذلك الحوار الإنساني، كما قبرت تصوراتهم الحقيقة، حتى نهشوا الضحية، ونهشوا أسرتها، ونالوا من عرضهم..
من المقبرة، من عالم الموت نسج الكاتب الحقائق وورى عن الرغبات المنطفئة، والحكايات المدفونة حين نستمع إلى شفيق الميت يقول: «أعيش بين العري، كل شيء هنا يعود إلى أصله، إلى البداية الاولى» ص241، «أول مرة احتويتها بين ذراعي يوم دفنها» ص242 «الآن هي لي، أنا قبرها، وهي قبري» ص243.