Warning: file_put_contents(/home/draaicom/public_html/banarat/banners.php) [function.file-put-contents]: failed to open stream: Permission denied in /home/draaicom/public_html/include/functions_misc.php on line 0 حمدان الحارثي في ديوان «يحاور أنثاه» «2» - المحتويات - موقع الدكتور عالي القرشي - powered by Infinity
حين نقرأ قول حمدان في نص «غزالات بيض»، الذي وقفنا على بعض اشاراته في المقال السابق:
للعمر كتاب تسكنه الأشجار
وتأويه صدوع الصخر.. على الأقدام
نجد الرغبة في نشر ارادة الالتئام، وقراءتها، وصياغتها من خلال هذه العلاقات بين الزمن والاشجار والإنسان: ف «العمر كتاب تسكنه الاشجار»، فلم يعد تذكر العمر، واحصاء سنواته، حركية تذكار منفصلة عن فضاء علاقات الإنسان، بل أصبح ذلك كتاباً لا يغادر الأشجار، يربط بين سنين الشجرة، وسني الإنسان، في هذه العبارة الواقفة على احتمالات متعددة ان كانت تحمل الخصب، وفعل الإنسان في الغرس والانماء، فإن التشظي عن ذلك بمفارقة ذلك الزمن يحضر عمق ما تصنعه سنوات العمر، وان كانت تحمل الجدب، وتولي اوان الثمرة، جاء ذلك مساوقاً لحركة التشظي التي يحملها السطر الثاني، حين تئول صدوع الصخر.. على الاقدام هي المأوى، المأوى لهذا الزمن الذي عاركه فدونه في كتاب العمر، من خلال هذه الشقوق التي تختال في القدم على نحو ما يعبر محمد الثبيتي، حين يقول:
هذي الشقوق التي تختال في قدمي
قصائد صاغها نبض المسافات
لكن عبارة حمدان تقابل بين وجهي الطبيعة والإنسان:
فشقوق من الصخر تتحرك إلى الاقدام، وتضحي آلام هذه الشقوق التي تثير الضجر، وملل عوادي الزمن تتخذ مأواها في الاقدام، وهنا تظهر المسافة بين الالتئام والتشظي، فالمأوى سكن وراحة وهدوء، وألم حفى الصخر، ومعاقرته في الأقدام حرقة وألم وضجر، لكنها لغة الشعر التي تستحضر قطبي المسافة، وتنبعث منه لتجعل سنوات العمر سكناً للاشجار، وشقوق القدم مأوى لما يفعله عبور الصخر.
وبعد صياغة النص لفضاء هذه العلاقات المتقلبة بين الحزن، الشعر، الهدي، سنوات العمر، شقوق الصخر في الأقدام، تأتي الاسئلة لولده، «يا ولدي»، حاملة التذكير بالعلاقة بين الوالد والولد، متخذة الاسم النابع من اشتقاق «الولادة» بصيغة النداء: يا، لإعلان القرب، واعلان الارث فيما بين الوالد وولده، من هذا الشقاء، ومعاقرته، ويأتي الخطاب محملاً بالسؤال، يقول:
كم مرّ بجرحِك يا ولدي؟
أمسافة أنثى
أم قصة تنّور،
أو قِدَ من زند الشبق المهجور
وهنا تختزل مسافة التشظي والالتئام في العلاقة مع الأنثى، لتكون الأنثى رمز الرغائب، ودلالة المقاصد، وغاية السعي، وحمل التشظي، لتكون الالتئام الذي تنكسر في دوحته شقاوات الزمن المر، وتنكسر على صدره نصال الجراح، ليئول الشقاء والجرح إلى مراودة الاشتياق، ومن ثمَّ يعبر شقاء التشظي إلى التئام الشوق والحنين.
والخطاب الذي يحمله الشعر إلى الولد يلتئم فيه الوالد مع الولد في حبل الشقاء، معاقرة الحزن، مراودة المجهول، لم يأتي من يقين الأمر والتوجيه بل جاء من البحث عما يغادران به هذا التشظي.. يقول:
يا ولدي
مدن للحزن، وأفواه السفر
فعضّ الناجذ والأيام
قل إني أغويتك،
حيث الطلع الآبق شامات بور!
نحن هنا أمام ترتيلة أغنية البكاء.. التربية، التوجيه، غواية.. الناتج والحادث طلع في أرض جدباء، دلالة على زمن ردئ.. هنا يلتحم الوالد مع ولده في ذنب مصافحة هذا الزمن العاقر.. لهذا تأتي الوصايا في هذا الشكل الموجز المبهم المعتمد على العودة بذاكرة القارئ إلى عناء قوم يوسف، ورؤيا ملكهم، ونبوءة يوسف ليقول:
احفظ عني عشر صبايا
سبعة أسفار للنجوى
سبعاً عجفاء.. وسبعاً اخرى عجفاء
التأمت الوصايا مع الصبايا حين أحلت الصبايا مكانها، وتشظت كل منهما عما تعطي وتمنح، فالصبايا مناط الحلم والاستقرار لكنها هنا «وصايا» تحفظ، وتفعل فعلها، والوصايا التي تحفظ أيضاً ليست مراسم للاسترشاد، هي الشعار ولذا ارتبطت بالجدب والضمور، استدعت سني قوم يوسف العجفاء.. العجف تشظي عن أسفار الفجوى التي عادة ما تكون مكان الالتئام والحديث المحبوب، ورداء الأشواق..
أمام هذه الوصايا - الصبايا فينبت من السؤال:
كم قامة أنات الأرض من الأجساد؟
كم قامة آيات العشاق؟
بعد هذا السؤال الذي يؤثث ذاكرة الموت والشقاء، وينبث على أجسادها فعل هذا المولود.. تأتي النبوءة له.. ليقول له:
ستكون نبياً للحرف
وعرافاً معجوناً بالأنواء وبالصحراء
فلتخلق أنثاك
وألوية للبوح فرادى كطقوس الموج
ولا أظن أن القارئ بحاجة إلى كبير تأمل ليدرك ارث الشاعر في ولده، لتظهر له القصيدة والنبوءة الشعرية التي يحلم له بها، لتظهر له الأنثى التي تجاوز الأنثى جزء النوع الإنساني، قسيم الذكر.. لتتجلى الأنثى - الرؤيا، القصيدة، الهدف.. ومن هنا نعود إلى قراءة عنوان الديوان مرة اخرى في ضوء هذا التشكك..
وإذا جاءت هذه الأنثى.. فالوصايا لاخصابها حينئذ تتجلى في التشظي والالتئام، في التشظي مع السائد، مع المستقر، مع المألوف حتى مع الذات، ليحدث الالتئام مع هذا التمرد، مع هذا التكوين لغانية، لأنثاها التي يكونها من كينونته:
آمن بك دهراً
ثم اجحد بالاتباع
وبالرعد الصامت.. والرهبان
..........
لا تؤمن حتى تقلب فوضى الترتيب
وترتيب الأكمام من الرمان
ويظلُّ النص في حال تشكل من محاورة الشقاء ومحاورة الخلاص.. يقول:
وتنهد حين يمر على قبرك..
عصفور يأكل من رأسك شعراً..
منثالاً.. يدعو الله بأن يغفر للميت آثام الحي
سيكون فضاء مزروعاً بطيور سود للموت،
وأرضاً تمطر أجساداً
للاغراء وللاصفاد
ولا ينسى النص توريث هذا الإرث ليقول:
فاحرق سنبلة العين
وسمّ غريباً
لتكون أباه
وعلى قدر حرص النص على الالتئام، وعلى الخروج من ربقة التشظي إلا ان آخر النص يفصح عن نية للوالد والمولود، يقول:
هذا ترتيب للذاكرة العجلى يا ولدي
هذا زمن يصلح أن تبنيه..
على لا شيء إلى لا شيء..
لنقع على الرداءة، وعلى فقد الأنثى التي تحصب الفعل،
ويتوالد من الالتئام مع عوالمها، فنخرج في عراء التيه